أميركا وأكراد العراق: تعهدات في حاجة الى ترجمة واقعية

تم نشره في السبت 19 كانون الأول / ديسمبر 2009. 03:00 صباحاً

 

تختزن الذاكرة الكردية في العراق، على مدى القرن الماضي، كماً كبيراً من الوعود والتعهدات غير المكتوبة يتعلق أكثرها باستعداد دول كبرى وحكومات في الجوار الإقليمي، مساعدتهم وتحسين أحوالهم والدفاع عنهم ودعمهم في حال تعرضوا لأي مكروه. لكن اللافت أن هذه التعهدات ظلت على الدوام كلاماً في كلام لأنها لم تترجم الى وقائع حقيقية.

لهذا، يلحظ المراقب أن التعهدات الأخيرة التي قطعتها إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما لأكراد العراق بدعم تجربتهم الديمقراطية في إقليم كردستان ومساعدتهم في حلّ خلافاتهم العالقة مع بغداد، لم تلق سوى استبشار يشوبه حذر شديد. يشار إلى أن البيت الأبيض أصدر في الثامن من الشهر الحالي بياناً تعهد فيه بدعم تجربة إقليم كردستان العراق. بعده بيومين كرر الرئيس أوباما في البيت الأبيض، في حضور رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، استعداد إدارته للتعاون مع الأكراد العراقيين. في الوقت عينه، سارع وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس الى زيارة بغداد وأربيل وكركوك حيث التقى رئيس الإقليم مسعود بارزاني، بهدف تأكيد أن واشنطن جادة في تعهداتها.

لكن الأكراد الذين ما يزالون يعيشون في قرارة نفوسهم رجفة التراجع الأميركي عن تعهدات سابقة بالدفاع عنهم عام 1973، تلقوا التعهدات الأخيرة من واشنطن بفرح واستبشار، لم يترددوا في القول إن التعهدات تظل مجرد كلام، أو في أحسن الأحوال حبراً على ورق، ما لم تبادر إدارة الرئيس أوباما الى إطلاق مبادرتين إضافيتين تساعدان في ترجمة تعهداتها المكتوبة الى خطوات واقعية على الأرض. ما يضاعف من الأهمية أن الولايات المتحدة على وشك سحب قواتها من العراق، ما يعني أن عملية سحب القوات قد تدفع بالتعهدات المقطوعة لأكراد العراق الى أدراج النسيان ما لم تترافق مع المبادرتين أدناه:

الأولى، أن تبادر وزارة الخارجية الأميركية الى فتح قنصلية ديبلوماسية وتجارية أميركية في إقليم كردستان وذلك لإدامة التواصل بينها وبين أربيل، إضافة الى تسهيل النشاطات التجارية والاقتصادية والديبلوماسية المتبادلة بينهما.

الثانية، إنشاء قاعدة عسكرية أميركية في إحدى مناطق الإقليم وذلك لتطمين الأكراد من أن شروط الحماية والدعم التي تتحدث عنها واشنطن مضمونة، ولردع دول وجهات في الجوار، تضمر نيّات سيئة حيال التجربة الديمقراطية في الإقليم الكردستاني في مرحلة ما بعد انسحاب القوات الأميركية من العراق. هنا، تجادل أوساط عراقية عدة أن  العراقيين، عرباً وكرداً وأقليات قومية، أبناء وطن واحد تجمعهم أواصر الشراكة والمساواة والانتماء الوطني، ما لا يدع مجالا أمام تبرير حاجة الأكراد لقوات أجنبية تتولى حماية علاقاتهم وشراكتهم مع العرب العراقيين. في هذا الصدد، يرد الأكراد أن مصادر الخطر على تجربتهم الديمقراطية ومكاسبهم القومية عديدة في حال غياب الحضور العسكري الأميركي عن العراق:

فهناك، أولاً، الأوساط الشوفينية والبعثية والمجموعات الإرهابية التي ما تزال ناشطة في العراق وتشكل تهديداً لا لشن حرب عسكرية فحسب، بل للتضييق على دورهم الوطني والقفز على حقوقهم الدستورية. ما يزيد من إحتمال كهذا أنهم، أي الأكراد، يفتقرون الى أسلحة وقدرات عسكرية تؤهلهم لردع تلك الأوساط. وهناك، ثانياً، دول إقليمية مناوئة للحالة الكردية، إيران وسورية على سبيل المثال، قد تلجأ لتصفية حساباتها مع أكراد العراق. وهناك ثالثاً، تركيا التي ما تزال قبضة مؤسستها العسكرية قوية لإعادة تهديد الإقليم باللجوء الى سياسة الحروب والاجتياحات العسكرية ضد كردستان العراق.

لكل هذا، يرى الأكراد أن الحكمة تقضي بأن تبادر واشنطن الى تحصين تعهداتها لهم بفتح قنصلية ديبلوماسية في أربيل وإنشاء قاعدة عسكرية في كردستان، وذلك في حال نفّذت خططها الخاصة بسحب قواتها من داخل العراق.

التعليق