شربل مرّ من هنا!

تم نشره في الثلاثاء 15 كانون الأول / ديسمبر 2009. 02:00 صباحاً

النص البديع الذي نشره الصحافي المرموق غسان شربل في كتاب عن حياة صدام، بعنوان "صدام مرّ من هنا"، ونشرت الغد حلقات منه قبيل عطلة عيد الأضحى الماضي، ليس مما يُمَر عنه بسهولة، لكل من اهتم يوماً بتاريخ صدام، وإرثه الدموي، وتأثيراته التي لم تنقطع بعد على التاريخ العربي المعاصر.

صحيح أن شربل لم يأت بجديد، إذ أعاد سرد تاريخ نعرفه جيداً، واستنطق صلاح عمر العلي الذي كان من قبل قد أدلى بشهادة كاملة "على العصر" لقناة الجزيرة في منتصف العام 2003، أي بُعيد سقوط نظام صدام مباشرة، وقبل إلقاء القبض عليه، ثم كان كتب في صحيفة "القدس العربي" خلال العام 2004، حلقات عن ذكرياته مع انقلاب البعث في العام 1968، وهو (أي العلي) الذي كان أحد ضباطه الرئيسيين، إلى جانب صدام، ومع نظام صدام الذي ظل أحد كوادره البارزين، قبل أن يستقيل وينسحب وينجو بحياته، إلا أن غسان شربل، رغم هذا كله، استطاع أن يسرد التاريخ القديم بطريقة جديدة، وبلغة غاية في الروعة، حتى ظننتُ، كقارئ مهتم بتجربة "البعث العراقي" القبلية، والمشخصنة حدّ التهور، أن الكتاب ليس عن صدام، بل عن غسان شربل نفسه، وعن قدراته اللغوية الإبداعية اللافتة.

من، يا تُرى، استطاع أن يصف نفسية صدام المتسلط، بمثل كلمات شربل هذه، شديدة التكثيف والتعبير والبلاغة: "ليس عيدي أمين ليقنع بالتقاعد مع وجبة دسمة، ليس ليوبولد سنغور ليتفرغ لتدبيج القصائد، ليس شارل ديغول ليتذرع بكتابة التاريخ بعد التوقف عن صناعته. لم يأت من صندوق اقتراع ليذهب بحفنة من الأصوات أو ليرتعد أمام استطلاعات الرأي. هذه الألعاب للعاديين فقط.. لا مكان في تاريخ بغداد لحكام يجمعون أوراقهم ويغادرون. جاء من دوي ذلك التاريخ، من الهدير العميق في الروح العراقية، لا السلامة تغريه ولا الملاذ الآمن. تحسس مسدسه مجدداً، انتدبه التاريخ لمهمة كبرى. لا يستطيع الاستقالة، قدره شديد الوضوح: القصر أو القبر".

هل قال شربل جديداً؟ لا! لكنه قاله بطريقة جديدة. حقاً: لم تكن السلامة تغري صدام، وكان شديد الاعتقاد بأن التاريخ انتدبه لمهمة كبرى، ولهذا بالضبط لم يكن ليرف له جفن تجاه أية خطوة يخطوها، ولو كانت بحجم احتلال دولة عربية مجاورة، وإطاحة خطط التنمية الإنسانية في العالم العربي، وقتل ملايين البشر، وهدر الأموال على أسلحة لم تُستعمل في خدمة قضية عادلة واحدة.

أمام حالة كهذه، يكون القول إن كتاب "صدام مرّ من هنا" قراءة لا غنى عنها لمن يريد أن يعرف حقيقة مأساة العراق في نصف القرن الأخير، مقولة غير موفقة، وهي التي كتبها جهاد الخازن في مقالته مؤخراً، من دون أن يصيب كبد الحقيقة، وسيخطئ كثيرون غيره "كبد الحقيقة" أيضاً، إن ظنوا أن في الكتاب شيئاً جديداً باستثناء صياغته البديعة، بالرغم من أن هذه –بذاتها- تمثل جديداً تجاه كتابة تاريخ صدام.

يقودنا هذا للقول إن عنوان الكتاب لم يكن موفقاً تماماً، فصدام لم يمر من هنا، بل مكث طويلاً، وما يزال ماكثاً بعد نحو ثلاث سنوات من رحيله، ومن المؤكد أن مكوثه سيستمر فترة أطول، ما دامت آثار حروبه ماثلة في العالم العربي، وما بقي تاريخه الشخصي يصنع تاريخ العرب المعاصر، ويؤثر سلبياً على مسؤولياتهم تجاه مستقبلهم.

الذي مرّ على تاريخ صدام، تاركاً أثراً جميلاً وملفتاً، هو غسان شربل نفسه. ألم نقل إن الكتاب، في حقيقته، إنما يقدّم قدرات شربل الفائقة، لا تاريخ صدام؟!


samer.khair@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »يا سيد سامر خير ، لغسان شربل موقف سياسي معلن وعلني مساند للمشروع الأمريكي في العراق ولأعوانه ، فهل نأخذ تاريخ العراق وصدام من مثل هذه المصادر !!! (جمال الخصاونة)

    الثلاثاء 15 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    غسان شربل هو رئيس تحرير صحيفة الحياة (اللبنانية-السعودية) ، ليس سرا أن هذه الصحيفة وضعت نفسها في موقع مساند للإحتلال الأمريكي وأعوانه ومشروعه في العراق منذ الأيام الأولى التي أعلنت فيها إدارة بوش عن نيتها احتلال العراق وكانت من اشد المدافعين عنه والمحرضين للغزو والمعادين للمقاومة العراقية فهل نأخذ تاريخ العراق وصدام من هكذا مصدر.

    يجب أن يفهم هذا الكتاب أنه جاء في سياق درء العار والخزي عن أصحاب هذه المواقف وتبريرها . أذكر على سبيل المثال لا الحصر أن كنعان مكية الذي يسمى بالمفكر والذي يستشهد به غسان شربل كان عشية الحرب يكتب في مثل هذه الصحافة قائلا :

    ((( ان اصوات القذائف المتساقطة على بغداد اعذب من اجمل موسيقى سمعتها اذناي ، بل هي كقرع اجراس الحرية تؤذن لفجر جديد للعراق ))) فهل يعقل أن نأخذ تاريخ العراق من مثل هؤلاء الذين يستشهد بهم غسان شربل.

    إن الموضوعية في العرض التاريخي تستوجب على الكاتب الذي يريد أن يؤرخ لسياسي معين ألا تكون مصادره المنتقاة هي أشد خصوم هذا السياسي ناهيك عن كونهم يقفون في الصف المؤيد للإحتلال الأمريكي ومشروعه في العراق ، لأجل كل ذلك فإنني أعتبر الكتاب الذي احتفى به السيد سامر خير هو مجرد بربوغندا دعائية ليس إلا.

    أما عن صدام فيكفيه شرفا أنه حمى العالم العرب من الاجتياح الايراني وصد الهجمة الخومينية عن الخليج العربي وأنقذ جيشه الشام في حرب 73 من السقوط كما أنقذت مقاومته العالم العربي من خطر المحافظين الجدد عندما أعد لهذه المقاومة التي تسببت بتعثر المشروع الأمريكي في العراق والذي كان يريد أن يجعل من العراق منطلقا للعدوان على أقطار عربية أخرى.

    ويكفيه فخرا أنه ضحى طوعا بحياته ومنصبه ولم يقبل أن يسير في الركاب الأمريكي ويلغي قرار تأميم النفط مفخرة البعث ويعيد الشركات الامريكية للسيطرة على النفط العراقي ويفتح سفارة اسرائيلية في بغداد ولو فعل ذلك لجعله الامريكان سيد المنطقة لكن اختار أن يضحي بحياته ومنصبه واولاده على ان يضحي بمبادئه.
  • »خريف البطريرك (محمد البعول)

    الثلاثاء 15 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    انا اتفق مع الكاتب والمبدع سامر خير في أن صدام لم يمر من هنا بل مكث وما زال على صدورنا ، لقد كان وما يزال كابوسا" يُرخي سدوله على احلام العراقيين والتواقيين للحرية .

    بالنسبة لي لم أرى من صور شخصية صدام أكثر من غابريل غارسيا ماركيز عندما رسم روايته الرائعة (( خريف البطريرك )) لقد كان صدام احد الجنرالات الاربعة عشر وربما كان جميعهم وهو يرى إنعكاس صورته في المرايا.

    رسمه وهو يتخذ قراراته المصيرية

    وهو يتملك زمام امور كل الوطن

    وهو يعامل حاشيته من قادة الجيش والعسكر والحرس

    وهو يلاحق محظياته

    وهو يحمل مهمازه

    وهو يُعلق مصباحه فوق الباب
    ويغلق المزاليج الثلاث والدعامات الثلاثاء
    وينام ارضا" .


    وهو يتلوى ويصيح وينادي امه

    " بندثيون الفارادو "

    التي كانت تربي البقر والدجاج وتقول له انها لو كانت تعرف أنه سيكون رئيسا لعلمته كيف يقرأ ويكتب.

    وهو يقول لها هل رأيت ما أجمل ان لا نعيش في بؤس !!!


    وهو يخترع شبيها" له (( باتريسيو أراغونيس )) ويجعل منه نائبا" له .


    **********

    لقد قرات رواية خريف البطريرك ثلاث مرات وقد كان صدام حاضرا" في كل حدث وفي كل حركة من حركات الجنرال ، ماركيز لم يُجسد فقط حياة الجنرالات الذين حكموا امريكيا اللاتينيه ولكنه جسد ايضا" حياة الجنرالات الذين حكموا براري العرب القاحلة .



    شكرا" للكاتب المبدع سامر خير .
  • »ليسوا ملائكة ! (رندة أحمد)

    الثلاثاء 15 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    قد يكون الرئيس العراقي الراحل صدام رحمه الله قد ارتكب هو و نظامه الأخطاء و الخطايا , و لكن هل ترى يا سيد سامر أن الأنظمة التي مرت على العالم و ستمر هل ترى أن تلك الأنظمة من الملائكة ؟ هو لم يحاول الهرب من القبر ليحتفظ بقصره الذي لا يساوي معشار قصور الرؤساء الآخرين و هو قصر متواضع بشهادة أعدائه , و لو كان صدام عبد قصور لما مات كالأسد رافعا رأسه أمام المشنقة في موقف بطولي عظيم لن يتكرر , فلو كان رجل قصور لأذعن أمام أمريكا خانعا خاضعا و لغادر إلى أحد المنافي هو و عائلته ليعيش هناك في أمان , إننا نشتم أمريكا ليل نهار , حتى إذا ما جاء بطل و قال لها ( لا ) , لأنه يريد نفطه حرا , و لأن بلاده بدأت تنهض نهضة تكرهها أمريكا للشعوب , شتمناه هو الآخر لأنه أدخل شعبه في حرب لا قبل له بها , إذا هاجمك أحدهم يا سيد سامر في منزلك و تخلى عنك كل إخوتك فاللوم ليس عليك بل على إخوتك , يكفي صدام فخرا أنه الرئيس الوحيد الذي تجرأ و أطلق على العدو صاروخا ذات يوم . و يكفيه تلك البطولة الأسطورية التي مات عليها .
  • »اي قدرات (احمد ص)

    الثلاثاء 15 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    يكفينا كلاما منمقا ومزركشا فقد سئمنا الكلام المنمق المغطى وما نريده من الامه هو اخنراع جديد ينقذ الامة من سباتها العميق وما كتابات الصحف والتحليلات التي اصبح يعرفها الصغير والكبير اصبخت مقززه وهي ملئ الفراغات في الصحف وطباعة الكتب المكرره والمصاغه باشكال مختلفه ولكنها مكرره يريد اصحابها من وراءها ما وراءها..... نريد اعلاما ينهض بالامه ويعرقه بخطورة الكلام ان استمر بدون فعل...فقد تكلمنا وزركشنا الكلام منذ اكثر من ستين عاما فهل انتصر الكلام امة عربيه
    كلها ماسي...لاوحده سياسيه او اجتماعيه اقتصاديه حتى حدوديه اننا في قمة التخلف لبعدنا عن تعاليم ديننا الحنيف ...
  • »بوش وابو بوش مرا من هنا (رشاد الصاب)

    الثلاثاء 15 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    ( ولهذا بالضبط لم يكن ليرف له جفن تجاه أية خطوة يخطوها، ولو كانت بحجم احتلال دولة عربية مجاورة، وإطاحة خطط التنمية الإنسانية في العالم العربي، وقتل ملايين البشر، وهدر الأموال على أسلحة لم تُستعمل في خدمة قضية عادلة واحدة.)
    سيدي الكريم اقتبس النص السابق من مقالك لاقول لك ان التحدث عن صدام انه احتل دوله عربيه وانه قتل ملايين البشر وهدر الاموال على اسلحه كله حديث يجافي الحقيقه كان الاولى ان تتحدث عما لم يقله شربل او غير شربل وهو اث بوش وابيه قد عملوا على انهاء دوله بحجم العراق وقتل اكثر من مليون مواطن بحجة جلب الديموقراطيه لهم بعد ان ثبتت اكذوبة اسلحة الدمار الشامل واخيرا اعترافات التابع بلير الذي تثبت ان الحرب على العراق نتيجه لرغبات شخصيه ولا زال العراق حتى هذه اللحظه يعاني من غياب الامن اما الدوله العربيه والتي نحبها فمحنتها انتهت وتعيش بسلام والحمد لله
  • »غسان مبدع (هيثم الشيشاني)

    الثلاثاء 15 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    شكرا ً للأستاذ سامر على المقال الذي ينصف فيه إبداع غسان شربل و لمساته التي لا تخفى دقتها و حدتها (الموضوعية) على حدّ سواء.
    بعد كتابه (سر الصندوق الأسود) اعتقدت أن غسان لن (ينتج) شيئا ً مميزا ً لفترة و لكنه فعلها و أنا و الكثيرون ننتظر مغامرته التالية.
  • »أختلف معك كثيرا.. (Amer)

    الثلاثاء 15 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    أخي سامر...هجومك على صدام حسين بهذه الطريقة غير مبرر أبدا..نعم,الرجل أخطأ كثيرا باجتهاداته و تقديره للأمور و لكنه لم يكن يوما عميلا كما الباقين...من الخطأ الكبير لوم صدام حسين على الحالة التي وصلت لها الأمة فهو كان يغرد وحيدا ضد تيار أمريكا و من والاها و سبب مشاكلنا هو أذناب أميركا بالمنطقة و ليس من حاول أن يقاوم استعمارها لنا سياسيا و ثقافيا و اقتصاديا و عسكريا.
    ديكتاتورية صدام حسين-رحمه الله- أشرف بمليون مرة من خيانة و نذالة من تبقى من حكام...
  • »التاريخ وصانعوه .... (محمد البطاينة)

    الثلاثاء 15 كانون الأول / ديسمبر 2009.
    يا سيدي لو لم يكن هناك صدام حسين لما استطاع شربل ان يكتب شيئا ، وان كنت تظن ان الكتاب لم يقدم جديدا في التاريخ فما هو الكتاب الذي اضاف ؟؟؟ ان شخصية صدام حسين الجدلية ومواقفه الرجولية والثابته وحماقاته السياسية في عالم يحكمه السلاح الامريكي والمال اليهودي قد تكون صرخة تمرد في وادي الخنوع ، المؤكد ان صدام لم يكن رجلا عاديا ولكنه للاسف ولد في منطقة كتب على خارطتها بالاحمر العريض : ممنوع تواجد الزلم....... تحياتي لكل القابضين على جمر العروبة