أفغانستان إذ تحدّد مصير أوباما وسياسته في الشرق الأوسط

تم نشره في الجمعة 11 كانون الأول / ديسمبر 2009. 02:00 صباحاً

 السينما تحب الشرير، وكذلك النساء يفعلن: كلارك غيبل في "ذهب مع الريح"، أشهر الأمثلة، وكذا جاك نيكلسون في "وطار فوق عش الوقواق" ومارلون براندو في "عربة اسمها الرغبة" وصولاً إلى آل باتشينو في معظم أدواره.

إنه يحتل الشاشة والحياة، مكتسحاً أمكنة غيره وقلوب من يحبون. تنتهي سكارليت أوهارا إلى عشق غيبل في الفيلم باذخ الجمال، وينطوي حسني البرزان على نفسه في الدراما السورية ذائعة الصيت "صح النوم" بعد أن فتكت به مؤامرات الشرير غوّار الطوشة، وتركته كسير الفؤاد... أسير الظل في السينما والحياة معاً.

من يتذكر نهاد قلعي أو حسني البرزان الآن؟!

الشرير، المخادع، والمراوغ وصاحب القلب الجسور (دريد لحام أو غوار الطوشة) يبقى. يواصل مسيرته الظافرة في السينما والدراما والمسرح في حين يتنحى صاحب القلب الطيب والكسير. بدايةً يلّفه الإهمال والمرض بعد أن تخلّى رفيقه عنه، وأخيراً ينتهي إلى الموت وقد لفه النسيان تقريباً، فمن يتذكر ممثلي الأدوار الثانية والثانوية غير مؤرخي الفنون والصحافيين الهواة من أمثال كاتب هذا المقال؟!

لكنها الحكاية لا تنتهي هنا أو بالموت كما تنتهي الحكايات دائماً، فالساذج والطيب والمتنحي يعود غالباً إلى الذاكرة بعد أن تُشبع من مكر الشرير وكازرميته الكاسحة، فمن أراد أن يعرف ماذا يحدث في إيطاليا عليه أن يعرف ماذا يحدث في البرازيل، تلك هي حكمة حسني البرزان الساذج لكن غير الأبله أو المغفل، وكمثل مصباح ديوجين ستصبح تلك الجملة التي من فرط ما يكرّرها وهو يكتبها مفتاحاً للفهم لا عنواناً للحيرة أوغياب المعنى.

أقول هذا وقد أخذ البعض على كاتب المقال كتابته عن أفغانستان، لماذا لا تكتب عن قانون الانتخابات في الأردن، الأوضاع في فلسطين أو العراق، مباراة كرة القدم بين الجزائر ومصر وسيكلوجيا القطيع، صعود تركيا في المنطقة والعالم، أو حتى (وهذا ما باب أضعف الإيمان لدى البعض) عن ترشيح جمال ناجي ومحمود الريماوي بعد إلياس فركوح وإبراهيم نصر الله لجائزة بوكر في نسختها العربية؟!

ولماذا لا نكتب عن أفغانستان وباكستان وبوليفيا وميانمار ووووو، أيضاً. يكون الرد حاسماً وقولاً واحداً، فأنت إذا أردت أن تعرف حقاً ماذا سيحدث في الشرق الأوسط من غزة المحاصرة إلى طهران المنقسمة على نفسها عليك أن تعرف هذه المرة ماذا يحدث وسيحدث في أفغانستان.

في ذلك البلد الفقير، البعيد، والذي يحتل بعد الصومال قائمة الدول الأكثر فساداً في العالم، ينخرط رئيس البلد الأعظم في العالم، ويغامر بمستقبله السياسي وبسمعة بلاده في حرب قد تتحول إلى فيتنام أميركية أخرى بلا أمل بالفوز. وفي ذلك البلد البائس الذي ينتمي إلى القرون الوسطى ستنفق الخزينة الأميركية نحو مائة بليون دولار في العام الواحد على جنودها فقط، بينما يتلقى الأردن مساعدات أميركية تُقدّر بنحو أربعمائة مليون دولار فقط، ومصر نحو بليون ونصف البليون دولار، واسرائيل نحو ثلاثة بلايين دولار. أي أن الدول الثلاث الأوثق تحالفاً مع الولايات المتحدة في المنطقة تتلقى نحو خمسة في المائة فقط من مصاريف الجنود الأميركيين في أفغانستان في عام واحد، على الرغم من أن عمر التورط الأميركي في منطقة الشرق الأوسط يصل إلى نحو نصف قرن وفي أفغانستان نحو نصف هذه المدة تقريباً. هذا بالإضافة إلى أن حجم المصالح الأميركية في الشرق الأوسط لا يُقارن بحال مع ضآلة حجمه في أفغانستان الغنية بالجبال لا بالنفط أو الغاز الحلفاء الذين يصطفون على الأبواب ويتدافعون بل يتنافسون لتقديم التنازلات لأي رجل يجلس في البيت الأبيض حتى لو كان جورج بوش أو من هو أكثر حماقة منه وإضراراً بالمصالح العربية.

ما لا يعرفه كثيرون أن مصير العلاقات الأميركية– الإيرانية يتوقف عملياً في أحد احتمالاته على نجاح أو فشل ما يُسمى زوراً وبهتاناً بإستراتيحية أوباما في أفغانستان، ولمن لا يؤمن بالترابط بين ما يحدث في إيطاليا والبرازيل عليه أن يعيد قراءة خطاب أوباما الذي أجمل فيه استراتيجيته تلك، وفيه عوّل على دور إيجابي إيراني لإرساء الاستقرار في أفغانستان. هل يذكرّنا هذا بالدور الإيرني في العراق في حقبة بوش؟! فكيف يستقيم تعويل كهذا مع تعويل بعض العرب وإسرائيل على ضربة أميركية أو إسرائيلية تتحول أميركية لاحقاً للمنشآت النووية الإيرانية؟ وماذا يعني في المقابل أن تخذل طهران آمال أوباما وتقوم بدلاً من المساهمة في استقرار أفغانستان بإشاعة المزيد من الفوضى فيها وفي باكستان المجاورة، ما يحيل الوجود الأميركي هناك إلى جحيم قد يدفع أوباما إلى الهرب منه بإشعال فتيل حرب ثانية مكرّراً تجربة سلفه بمقولات جديدة.

وماذا عن السلام الكسيح في الشرق الأوسط؟ للإجابة عن سؤال كهذا يتوجب تذكير القارئ بأن إدارة أوباما قامت بتعيين جورج ميتشل موفداً خاصاً لها إلى الشرق الأوسط أولاً وقبل ريتشارد هولبروك موفداً لها إلى أفغانستان وباكستان، وكانت النتيجة عكسية تماماً لتحتل أفغانستان ومعها باكستان الأولوية لدى هذه الإدارة على خلاف ما أوحته أسبقية تعيين ميتشل على هولبروك. 

والحال هذه إذا أردت أن تعرف عزيزي القارئ ماذا يحدث في الشرق الأوسط أو غزة مستقبلاً عليك أن تتابع مجريات الأحداث في أفغانستان. أما تعديل قانون الانتخابات في الأردن فيحدّده صاحب القرار وموجبات الإصلاح الداخلي من عدمها لا سيد البيت الأبيض أو حتى مجريات الأحداث في الأراضي الفلسطينية، على خلاف ما يروّج البعض ويشيع.

*كاتب وصحافي أردني مقيم في قطر

ziadybb@yahoo.com

التعليق