التعديلات الجديدة على قانون الانتخاب العراقي: إعادة إنتاج القضايا العالقة بصيغة أكثر تعقيدا!

تم نشره في الثلاثاء 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 03:00 صباحاً

جاءت أغلب التعديلات على قانون الانتخاب العراقي لتؤكد ان مرحلة ما بعد الانتخابات لن تشهد استقرارا سياسيا

يحق للقوى السياسية العراقية والمفوضية المستقلة للانتخابات وللولايات المتحدة والامم المتحدة ان تطلق التهاني فرحا بالتعديلات على قانون الانتخابات العراقي، الذي أقر في الثامن من هذا الشهر بعد ثلاثة اسابيع من التأخير عن موعد اقراره المفترض.

كل طرف من تلك الاطراف يعتقد ان التعديلات تصب في مصلحته، وتحقق ولو جزءا من اهدافه، ولكن يبقى السؤال المهم: هل يحقق القانون مصلحة العراق؟ وهل بامكاننا ان نهنئ كل العراقيين؟

جرت آخر انتخابات برلمانية في العراق في بداية العام 2005 وسط ظروف صعبة ومشاركة غير مكتملة حيث قامت بعض القوى وخاصة التي تمثل الجانب السني بمقاطعة هذه الانتخابات كما ان عددا لا بأس به من القوى الفاعلة حاليا على الساحة العراقية لم تكن قد تشكلت وقتها، اضافة الى التغير الكبير الذي طرأ على العلاقات بين القوى السياسية الرئيسية في البلاد منذ ذلك الوقت ومن دون ان ننسى الاختلاف الحاصل في السياسة الاميركية تجاه العراق وخاصة بعد جلوس باراك اوباما في المكتب البيضاوي، وهذا يعني ان اعادة انتاج مخرجات الانتخابات الاخيره هو امر غير واقعي، وان تفاعلات الاربع سنوات الاخيرة قد ألقت بظلالها على إقرار تعديلات قانون الانتخاب بل انها تعتبر السبب الرئيس في اعادة النظر في قانون انتخابات 2005.

دخل مجلس النواب العراقي جلسات مناقشة تعديلات قانون الانتخابات في ظل تشوه كبير في العلاقات السياسية بين القوى المختلفة، فالعلاقة بين الاكراد والحكومة المركزية ممثلة برئيس الوزراء نوري المالكي ليست في افضل حالتها نتيجة الصراع على قضايا مهمة كقضية كركوك وقضية عقود انتاج وتصدير النفط، ولم يكن هذا الصراع ثنائي الاقطاب فالقوى العربية والتركمانية في كركوك كان لها دور اساسي في هذه القضية الجدلية.

على الجهة الاخرى وبالتحديد الجنوبية، حيث يبرز ثقل الاحزاب الشيعية، فإن الامور ايضا لم تكن مستقرة، فنتائج انتخابات مجالس المحافظات كانت دليلا واضحا على وجود اشكاليات عميقة بين هذه القوى وان هناك صراعا على الزعامة والتمثيل بين أقطاب هذه القوى وبالدرجة الاولى بين المجلس الاسلامي الأعلى وحزب الدعوة.

اما القوى السنية فلم تكن احسن حالا، فعلاقاتها مع القوى الاخرى ليست مثالية تاريخيا وبالاخص منذ شعور هذه القوى انه تم استثناؤها من المشاركة الحقيقية في العملية السياسية، بل ان بعض هذه القوى يشعر انه قد تمت معاقبته بشكل او بآخر من خلال ربطه بنظام صدام حسين.

اما عن علاقة القوى ببعضها بعضا، فإن الامر لا يبدو مختلفا، حيث بات واضحا ان هناك نوعا من النزاع بينها على أحقية كل طرف بتمثيل السنة، وقد كان ذلك واضحا في انتخابات مجالس المحافظات عندما كادت الأمور أن تصل إلى حد الانفجار في محافظة الانبار بين الحزب الاسلامي العراقي ومجالس الصحوة في المحافظة، اضف الى ذلك حدوث بعض الانشقاقات داخل صفوف هذه القوى والتي كان ابرزها خروج نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي من الحزب الاسلامي وسعيه الى تشكيل كيان سياسي خاص به يخوض به الانتخابات المقبلة.

هذه الظروف إضافة الى ما ابدته المفوضية العليا المستقلة للانتخابات والامم المتحدة ممثلة ببعثتها لمساعدة العراق زادت من القلق من ان الجدال الدائر حول القانون وعدم إقراره في الموعد المحدد سيؤدي الى تأجيل موعد الانتخابات المفترض في منتصف كانون الثاني 2010 واثر ذلك على العديد من الامور اللوجستية، وكذلك تصاعد الضغط الاميركي على القوى العراقية بضرورة اقرار القانون حتى تتمكن الادارة الاميركية من استكمال خطة انسحاب قواتها من العراق، كل هذا أدى الى خلق بيئة قلقة انتهت باقرار قانون انتخابات محاط بالعديد من علامات الاستفهام.

ثلاثة محاور اساسية كانت مدارا لجدل حاد بين القوى السياسة وهو الامر الذي ادى الى تأخير اقرار القانون، هذه المحاور تمثلت في ما اذا كان سيتم ابقاء العراق كدائرة انتخابية واحدة كما حدث في انتخابات 2005 او تقسيمه الى دوائر انتخابية بناء على تجربة انتخابات مجالس المحافظات.

اما المحور الثاني فقد كان يتركز على الاختيار بين القائمة المغلقة او المفتوحة، بنما كان الثالث اكثرها سخونة، كيف لا وهو مرتبط بقضية كركوك الحساسة والتي شكلت وما تزال احد اهم مصادر القلق في الساحة السياسية العراقية بمختلف مكوناتها.

وقد جاءت التعديلات بعد مخاض عسير وشد وجذب، فتم اقرار تقسيم العراق الى تسع عشرة دائرة انتخابية، دائرة لكل محافظة من المحافظات الثماني عشرة ودائرة اضافية للعراقيين المقيمين في الخارج، وتم اعتماد توزيع المقاعد لكل دائرة بنسبة مقعد لكل مائة الف نسمة وفقا لاخر احصائية تقدمها وزارة التجارة العراقية واعتمادا على الاحصاءات المعتمدة للبطاقة التموينية.

اما المحور الثالث فقد تم اقرار ان تكون القائمة الانتخابية مفتوحة بحيث يتمكن الناخب العراقي من اختيار المرشح الذي يرغب به ضمن القائمة وعدم ترك قرار اختيار النائب للقائمة، اما قضية كركوك والمحافظات المشكوك في سجلاتها، فقد كان البند الخاص بها الاكثر تعقيدا بين كافة البنود، حيث اقر القانون اجراء الانتخابات فيها في الموعد نفسه استثناء، مع اشتراط ان لا تكون نتائجها نهائية وان يكون من حق خمسين نائبا او اكثر التشكيك في هذه النتائج.

وفي حال وافق البرلمان بأغلبية بسيطة على هذا التشكيك فيتم تشكيل لجنة خاصة مكونة من "ممثلي مكونات تلك المحافظة وعضوية ممثل عن كل من وزارات التخطيط والداخلية والتجارة والمفوضية العليا المستقلة للانتخابات وبمعونة الأمم المتحدة لمراجعة وتدقيق الخطأ والزيادة الحاصلة على سجلات الناخبين وفقاً للبيانات الرسمية والمعايير الواردة في الأحكام الختامية والمادة ثانياً من هذا القانون لتصحيح سجل الناخبين على أن تنجز اللجنة عملها خلال سنة من تاريخ عملها"، كما جاء في القانون نصا، ووضع القانون عددا من المعايير التي سيتم بناء عليها اعتماد النتائج او تعديلها وفقا لما يتمخض عنه عمل اللجنة.

لقد عقّدت القوى العراقية الأمور اكثر مما حلتها، وبدلا من اقرار تعديلات تساهم في تخفيف الاحتقان حول العديد من القضايا محل النزاع، فقد جاءت اغلب التعديلات لتؤكد ان مرحلة ما بعد الانتخابات لن تشهد استقرارا سياسيا كما هو مأمول، بل ان البنود الخاصة بكركوك وما سينتج عنها ستشكل بابا جديدا لتأجيج الصراع داخل هذه المحافظة التي لم تعرف الاستقرار ابدا، ويبدو انها لن تعرفه على الاقل في المستقبل القريب.

قرار تقسيم العراق الى داوئر انتخابية وعدم الابقاء على مبدأ الدائرة الواحدة، له سلبيات واضحة، حيث سيؤدي إلى ضياع أصوات الناخبين وتشتيتها بخاصة اصوات الاقليات، وذلك بالرغم من وجود نظام الكوتا للاقليات والنساء، كما انه سيؤدي الى مشاكل في احتساب اصوات العراقيين المقيمين في الخارج خاصة بعد ان تم اقرار نسبة 5% للمقاعد التعويضية، وهو الامر الذي ادى الى احتساب عدد مقاعد المقيمين في الخارج بثمانية مقاعد وفقا لما صدر عن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات، وقد بدأت ملامح هذه المشكلة بالتحديد تطفو على السطح وخاصة بعد صدور بيانين من شخصيتين سنيتين لهما ثقلهما، وهما نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي الذي قال نصا "لا بد من التنبيه على انني اتحفظ على أي محاولة يراد منها النيل من اصوات الناخبين المهجرين خارج العراق"، وصالح المطلق الذي طالب بزيادة المقاعد المخصصة للعراقيين في الخارج الى ثلاثين مقعدا بما يتناسب مع عددهم البالغ ثلاثة ملايين نسمة.

لم يكن مستغربا ان تصدر مثل هذه المواقف عن قيادات سنية للاعتقاد السائد بأن معظم المقيمين في الخارج هم من انصار القوى السنية. كما ان ابقاء العراق كدائرة انتخابية واحده كان من شأنه تلافي عدد من المشاكل ومن اهمها تلك المتعلقة باحتساب اصوات المهجرين داخليا، والذين ستضيع اصواتهم بين محافظاتهم الاصلية والمحافظات التي هجروا اليها.

اما مشكلة كركوك فقد ازدادت تعقيدا بعد اقرار نظام الدوائر المتعددة، ولعله كان بالامكان تجنب البنود والخيارات المعقدة كافة التي جاء بها القانون الجديد لو تم الابقاء على العراق كدائرة انتخابية واحدة بحيث يقوم سكان كركوك بالتصويت حالهم كحال بقية المحافظات، ولتمكن كل مكون من مكونات المحافظة من اكراد وعرب وتركمان من التصويت لأي قائمة يعتقد انها تمثله طالما ان القوائم هي نفسها وطالما ان المقاعد يتم احتسابها على مستوى البلاد وليس على مستوى المحافظة، ولما برزت مشكلة اعادة احتساب النمو السكاني التي نص عليها التعديل الجديد.

أما الابرز فيما يتعلق بكركوك في هذا التعديل، فيتعلق بتكريسها كنقطة مساومة سياسية بين الكتل داخل البرلمان الجديد، وستخضع عملية موافقة الاغلبية على اي شكوى يتقدم بها خمسون نائبا او اكثر الى كثير من الصفقات بين الكتل بحيث تتحول العملية من تصحيح لنتائج الانتخابات الى صفقات سياسية بين الكتل المختلفة، ما قد يعني بناء التكتلات داخل البرلمان وفقا للصفقات حول كركوك وليس وفقا للمصلحة الوطنية العليا، وهو الامر الذي من شأنه خلق حالة انقسام جديدة ستكون آثارها بالتأكيد سلبية على اداء مجلس النواب وعلى القرارات الصادرة عنه.

كما ان الاليات التي وضعها القانون الجديد للتعامل مع نتائج الانتخابات في المحافظة لا تبدو واقعية الى حد كبير، فقد جرت عدة محاولات في الماضي للتوصل الى حلول حول الوضع السكاني في المحافظة المتنازع عليها الا ان هذه المحاولات جميعا لم تنته الى نتيجة ملموسة، وليس ادل على ذلك من استثناء كركوك من انتخابات مجالس المحافظات التي جرت مؤخرا، وهذا يعني ان نتائج انتخبات مجلس النواب في المحافظة مرشحة لان تبقى معلقة حتى اشعار قد يكون بعيدا.

وبالعطف على التعديل الخاص باعتماد القائمة المفتوحة بدلا من المغلقة، فهذا قد يبدو التعديل الوحيد ذا الصبغة الايجابية، هذا التعديل الذي حاول عدد ليس بالقليل من النواب الحاليين تعطيله خوفا من فقدان مقاعدهم في المجلس المقبل، الا ان الرغبة العامة في اعتماد القائمة المفتوحة وتصريح المرجعية الدينية اية الله السيستاني بضرورة اعتمادها قد انهيا هذه المحاولة.

وهكذا، فإنّ الناخب العراقي سيتمكن من التصويت للمرشح الذي يرغب به داخل القائمة بشكل مباشر وسيحدد الناخبون من هم المرشحون في القوائم الفائزة الذين سيشغلون المقاعد في مجلس النواب، ومع ذلك تجدر الاشارة الى ان هناك سلبية واضحة في هذا التعديل تتثمل في تجيير الاصوات الفائضة على القوائم الفائزة حسب ترتيبها، وهو الامر الذي يعني اعادة توجيه صوت الناخب في اتجاه لم يكن يرغب به، هو الامر الذي ترى فيه العديد من القوى السياسية العراقية تراجعا عن المفهوم الحقيقي للديمقراطية وتحاليا على رغبة المواطنين العراقيين.

كان من الاجدى بصانعي القرار العراقيين ان هم رغبوا في تحقيق المصلحة العليا بعيدا عن عقلية اقتسام الكعكعة والمحاصصة ان يقروا قانونا يتم فيه اعتماد العراق كدائرة انتخابية واحدة لتحقيق العدالة بين جميع مكونات الشعب العراقي وتجنب المعيقات التي ستظهر في محافظات من دون اخرى، وبالاخص في محافظة كركوك، اضافة الى ان اعتماد الدائرة الواحدة كان من شأنه حل مشكلة العراقيين في الخارج والمهجرين في الداخل.

اما وقد تم اقرار القانون بهذه التعديلات، فإنه من المتوقع ان يواجه عددا من العراقيل، حيث من الممكن ان يقوم مجلس الرئاسة برد القانون واعادته للبرلمان لاجراء تعديلات جديدة وهو الامر الذي سيعيد العملية الى نقطة البداية بما يحمله ذلك من خطر تأجيل موعد الانتخابات، حتى وان مر القانون من مجلس الرئاسة، فانه وبالتأكيد لن يكون رافعة في تعميق الديمقراطية في البلاد او عامل حل للعديد من القضايا الاشكالية.

على نقيض ذلك، افرازات هذا القانون قد تؤدي الى مزيد من التشنج في العلاقات بين القوى العراقية ما قد يعني ان هذه القوى قد تتخندق مجددا خلف التحالفات الطائفية والعرقية الضيقة، وهذا يعني اعادة انتاج المشكلة نفسها لمدة اربع سنوات جديدة.

* باحث أردني متخصص بالشأن العراقي

التعليق