محمد أبو رمان

انتبه.. إنهم يعيشون معنا!

تم نشره في الاثنين 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 03:00 صباحاً

 

كشف الأمير رعد بن زيد، رئيس المجلس الأعلى للأشخاص المعوقين، أنّ نسبة اهتمام الصحف اليومية بمسألة الإعاقة لم تتجاوز 0.64% من أحجام صفحاتها، وأضاف أنّ 70% من هذه الأخبار تهتم فقط بالنشاطات الرسمية والمرتبطة بالمؤسسات الحكومية والمجلس الأعلى للأشخاص المعوقين.

بالفعل، إنه تصريح مؤلم يكشف كم هو التقصير الإعلامي الفظيع في تناول موضوع هذه الشريحة الاجتماعية الواسعة، وصولاً إلى تمكينها من حقوقها، وإلى مرحلة تحقيق الذات وتجاوز القصور الخلقي.

أعترف أنّ تصريح الأمير رعد صدمني في حجم الإهمال الإعلامي، لكن ما صعقتني هي تقديرات البنك الدولي لعدد المعوقين في الأردن بـ180 ألف معاق، وبنسبة تصل إلى 4-6% من تعداد السكان. بينما يشير باحث آخر إلى أنّ التعداد السكاني الأردني لعام 2004 يقدر العدد بـ194 ألف إنسان.

إذن، نحن نتحدث عن نسبة معتبرة من الأردنيين من ذوي الإعاقات المختلفة، لكن حجم الاهتمام بهؤلاء رسمياً وشعبياً ما يزال دون المستوى بكثير، وهم يواجهون صعوبات جمة، ولن يتمكنوا من خوض التحديات والتكيف مع الحياة إلاّ إذا كانت هنالك مؤسسات مجتمع مدني ومؤسسات حكومية ودينية وسياسية تتضافر جميعها لتمكين هذه الشريحة المظلومة بيننا.

نسبة واسعة من هؤلاء تحتاج إلى مدارس بإمكانات ومواصفات خاصة، وإلى مؤسسات تأهيلية بمواصفات عالية، وهو ما لا يتوافر إلا جزء بسيط منه اليوم، إذ هنالك فقط 17 مركزاً للمعوقين تستوعب فقط 2492، وفق تصريحات سابقة لوزيرة التنمية الاجتماعية.

ليس المطلوب زيادة مساحة الحنان والرعاية لهذه الشريحة الواسعة إنّما توفير البيئة القانونية الحقوقية والصحية المناسبة لتفجير طاقاتهم وتحضيرهم ليكونوا عنواناً للعطاء لا لنظرة الشفقة.

المهمة الحقيقية لنا في أن يشعر هؤلاء بأنّهم يستحقون الحياة فعلاً، وأنهم منتجون ويمتلكون ما قد لا يمتلكه الإنسان الذي لا يعاني من إعاقتهم، بأن يصلوا إلى قناعة أنّهم ليسوا عالة على المجتمع ولا حمولة زائدة، بل هم إضافة نوعية وجزء من تنوع النسيج الاجتماعي وألوانه المختلفة.

هذا الموضوع ذكّرني بزيارة قمت بها إلى معهد للصم والبكم في إحدى المدن، قبل سنوات، فوجدنا فتاة متطوعة من السويد (عمرها أربعة وعشرون عاماً) تقوم على رعاية وليد صغير لا يتجاوز الأربعة أشهر، لا يسمع ولا يتكلم ولا يرى، وتتعامل معه بلغة الإشارة فقط، لإطعامه والتواصل معه!

سألنا عن والديه فأخبرتنا أنهم لا يزورونه إلاّ كل بضعة أشهر، ولا يتصلون للاطمئنان عليه، يا لها من قسوة! لكن إن أردنا الاعتراف فإنّها حالة مصغرة لظاهرة موجودة بيننا، في تعامل العديد من الأسر مع المعوقين وكأنهم مجرمون أو عار على العائلة فيسجنون ويمنعون من الخروج، وربما بعضهم يقيدهم بالسلاسل.

تلك الظاهرة جريمة يجب أن يحاسب عليها القانون، لكن المجرم ليس شخصاً بل مجتمع متواطئ على الصمت والإهمال والتجاهل لحقوق هذه الفئة وواجبنا الأخلاقي والاجتماعي، وقبل ذلك الإنساني نحوهم..

نحن بحاجة فعلاً إلى إعادة اكتشاف أنفسنا ومجتمعنا وتقييم جديد لأولوياتنا الإنسانية والاجتماعية والسياسية والإعلامية..

m.aburumman@alghad.jo 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ماهر سمرين (ماهر سمرين)

    الاثنين 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    اشكر الدكتور محمد أبو رمان الذي يفاجئني بما يكتب ، فقد حلق هذه المرة خارج الكتابة السياسية وعلق مع المجتمع وهمٌ من همومهم الملحة وخاصة فئة مظلومة من المجتمع يعيش بيننا لم يهتم بها احد وبما تحتاج، ظُلمت من الأقربون قبل أن تظلم من الغير وساعد المجتمع وفي مقدمتهم المسئولين على ظلمها، مع أن نسبة كبيرة منهم أذكى من الأصحاء الذين يتبجحون بأنهم أصحاء!!!!!!!
    1- في مكان عملي كنت اعرف شخصا أصم وأبكم لكنه كان يفتقد للتوجيه والعمل وطبعا لا يوجد من يوظف شخصا بهذه المواصفات فعمل في غسيل السيارات وقد أتقن عمله ولكن بقي من يعامله بجفاء واستعلاء بدلا من معاملته مثله مثل الأصحاء ( الذين يخجلون من أي نوع من العمل مهما كان) .
    2- بعضا من الذين يعتبرون أنفسهم أصحاء من أي عله تجدهم يصفون غيرهم بأنهم معاقون ( عاهة، معاق، منغولي... الخ من العبارات التي نسمعها صباحا ومساءا) وينسى أن الله قد وهبه نعمة ليست عند غيره.
    علما بأنه لو تم الاهتمام بهذه الفئة من المجتمع وتعليمها وتنميتها فإنها تنتج جيلا منتجا لمجتمعه يقدم له مثل غيره (وأفضل في بعض الأعمال) وأهل الخبرة يؤكدون ذلك الأمر.
    3- أنا لي ابنه مصابه بمتلازمة داون الاسم الصحيح لحالتها ولكن الاسم التجاري والسوقي والمجتمعي (منغولية) قد تم رفضها وهي بعمر اقل من سنة من دخول حضانة الأصحاء علما بان في هذا العمر لا يوجد أي فرق بين الأصحاء وغيرهم فكلهم أطفال ولكن المجتمع يرفضهم. فكيف سيتعلم أبناءنا الأصحاء تقبل هذه الفئة التي هي منا والتي يرفضها آباءهم فأين نحن ذاهبون؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟
    ( فإنهم لا يعيشون معنا )
    أخيرا عندما ذهبت إلى مراكز التربية الخاصة الحكومية أولا وجدت أنها ضعيفة وغير مؤهلة وأعدادها كما ذكرت في مقالتك قليلة جدا بالنسبة للأعداد فأين الاهتمام بهذه الفئة ؟؟؟؟؟؟؟؟؟
    أما بالنسبة للمراكز الخاصة بحاجة أن يكون ولي الأمر من أصحاب الدخل المرتفع بسبب ارتفاع الرسوم التي توازي رسوم طالب في الجامعة فإما أن يرسل ولي الأمر ابنه أو ابنته إلى مركز حكومي أو مركز خاص أو طبعا يتركه في الشارع ليكون عالة على المجتمع علما بأنه في بعض الدول الأوروبية يتم تبني هذه الفئة والاهتمام بها وجعلها فئة منتجة ومميزه في المجتمع.
    الدكتور محمد أبو رمان آسف جدا أن أقول لك (إنهم لا يعيشون معنا) وحسبي الله ونعم الوكيل.
  • »من تجربة (مطلعة)

    الاثنين 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    أنا مطلعة على هذا الأمر كوني عملت مع ذوي التحديات لعدة سنوات، وأود أن أذكر هنا أن مشكلة الجهات المعنية بالأمر أنها توفر مساعدات لهم فقط ولا تحاول أن تعيد تأهيلهم بحيث يمكنهم الاندماج مع المجتمع. لا بد من عمل برامج تدريبية وتأهيلية لذوي الإعاقات المختلفة بما يتناسب مع نوعية إعاقتهم بحيث يمكنهم توفير حياة كريمة لأنفسهم. باختصار، لا داعي لكي نجعلهم "عالة" على المجتمع.
  • »ذوي الاحتياجات الخاصة (د-حيدر البستنجي)

    الاثنين 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    أسعد الله صباحك أخي العزيز محمد-لقد لمست موضوعآ هامآ جدآ ومعك حق ولكن غياب ثقافة العمل التطوعي وهشاشة مؤسسات المجتمع المدني وليس تقصير الدوله والاعلام فقط وراء هذا القصور-ثم اين ثقافة حقوق الانسان حتى من دون ان يكون من ذوي الاحتياجات الخاصة
  • »رجاء خاص أخي محمد (خالد السلايمة)

    الاثنين 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    أسعد الله صباحك أخي العزيز محمد

    و الله إنك أسعدتني بالحديث عن هذا الموضوع و هو يقع في صلب طب الاطفال و أنا كنت طبيب أطفال قبل أن أكون طبيب قلب أطفال.

    أولآ لي رجاء خاص و هو أن نستعمل كلمة "ذوي الإحتياجات الخاصة" بدل كلمة"معاق" لأن الكلمة الثانية ثقيلة جدآ على صاحب المشكلة. و في نفس السياق إستعمال كلمة "داونز" عن الطفل "المنغولي". حتى في الغرب يستعملوا الآن كلمة "special needs person" لذوي الإحتياجات الخاصة و كلمة "Down syndrome" بدل كلمة منغولي.

    ثانيآ: أنا أخالفك القول أنه ليس مطلوبآ زيادة مساحة الحنان و الرعية! بل المطلوب هو زيادة مساحة الحنان و الرعاية لهؤلاء الأشخاص. في كل مناحي الحياة. لاحظ أنك لمت أهل الطفل الصغير بعدم زيارته بينما تقوم الصبية السويدية برعايته!

    ثالثآ: الأمور في الأردن بشكل عام في التعامل مع الإحتياجات الخاصة ليست سيئة و لكنها لا تقارن بالدول الحديثة (انا لا أحب أن نقارن بالأسوء). و لكن المشكلة أن الوضع بشكل عام يقوم على إجتهادات الأهل و بدون وجود تقريبآ للدولة في هذا المجال. الجميل في الموضوع أن العالم اليوم أصبح قرية صغيرة, و بكبسة زر يستطيع الأهل الإطلاع على تجارب السويد و أميريكا و بريطانيا و ألمانيا في الموضوع. و هذا أراه إنعكس إيجابآ على الكثير من الأطفال الذين يزوروني بالعيادة (عادة هناك تلازم بين أمراض قلب الأطفال و التشوهات في الجهاز العصبي و الحركي)

    أخي محمد لقد لمست موضوعآ هامآ جدآ في المجتمع و أرجو ان تتكاتف الجهود من مختلف الشرائح لدعم ذوي الإحتياجات الخاصة, فهؤلاء أبناؤنا و بناتنا و الكثير منهم قادر أن يعطي للبلد أكثر مما نتصور.

    شكرآ مرة أخرى
  • »معاناة (عمر شاهين)

    الاثنين 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    ليس هم من يعانون استاذ محمد بل اسرههم ايضا وما يترتب عليها من احراج كبير في الحياة وصعوبة التربية فكثير من الاسر لا تجد رسوم مدارس التعليم الخاص وتضطر الام الى القاء معهم فخروج والدة مع معاق يشكل احراج هائل اليها من استهزاء الناس .
    في الهاشمية اكتشفت عشرات الحالات من اسر لديها معاقين ولا يجدون حتى مراكز ويستغلون فقط في الدعايات الانتخابية لنواب واعضاء بلدية تقربا لمؤسسات مثل مؤسسة نهر الاردن ووفي النهاية لا تتغير المعانة
  • »لتبدأ من صحيفة الغد (هناء سنان)

    الاثنين 16 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    أشكر الكاتب جزيل الشكر على اهتمامه بموضوع ذوي الاحتياجات الخاصة أو من يعانون من إعاقات دائمة. وأظن أن نسبتهم إلى إجمالي السكان تصل إلى حوالي 10 بالمئة (وهي نسبة عالية) وأن فقط 2 بالمئة منهم يحصلون على المساعدة. كما أن آليات وبرامج دمجهم في المجتمع ما زالت ضعيفة إن لم تكن غير موجودة. جزء مهم من الأموال التي ترصد لخدمة ذوي الاحتياجات الخاصة هي مساعدات من الدول الغربية والدول الغنية. شاهدت قبل أيام برنامج على أحد تلفزيونات لبنان يديره شاب لبناني مقعد ومثقف وبرنامجه رائع، هذا مثل على مؤسسة إعلامية تحترم نفسها وتلعب دور مهم في المجتمع، ويبقى السؤال كم شخص من ذوي الاحتياجات الخاصة يعمل في صحيفة الغد؟