نهاية الأرستقراطية الجمهورية في فرنسا

تم نشره في الجمعة 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 02:00 صباحاً

  لم تظهر عربات نقل المحكوم عليهم بالإعدام في ساحة الكونكورد مؤخراً، ولكن فرنسا قد تشهد ثورة وشيكة. فقد شهدت الأسابيع الأخيرة محاكمة رئيس الوزراء السابق دومينيك دو فيلبان وإدانة وزير الدفاع السابق شارل باسكوا. حتى إن الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك بات يعلم الآن أنه ليس في مأمن من الملاحقة القضائية. تُرى هل أصبحت "الـمَلَكية الجمهورية" في فرنسا على وشك السقوط؟

إن الثورة الفرنسية لم تنجح قَط في القضاء على امتيازات النُخَب الحاكمة. صحيح أن بعض الرؤوس الأرستقراطية قد تدحرجت، ولكن طبقة النبلاء عادت إلى فرنسا في نهاية المطاف. فعندما حل النظام الجمهوري في محل النظام الملكي في عام 1875، جاء حق التصويت ليحل محل حقوق الميلاد، ولكن النخبة الحاكمة الجديدة تصورت أنها تمتلك الحقوق والامتيازات نفسها التي كانت للأرستقراطيين.

ولكن مفهوم "الـمَلَكية الجمهورية"، الذي يدور في الأغلب الأعم حول التقاليد والأعراف المرتبطة بالرؤساء الفرنسيين وبطاناتهم، لم يترسخ حقاً إلى أن جاءت الجمهورية الخامسة. فبمجرد انتخاب الرئيس الفرنسي، كان هو ورجال بلاطه يحصلون على امتيازات مالية، غير قانونية في كل الأحوال. فضلاً عن ذلك فإنهم يعيشون خلف ستار من السرية: فمن كيفية استخدامهم للطائرات الرسمية، إلى موظفي الخدمة المدنية الذين يوظفونهم لخدمتهم شخصياً، ناهيك عن خليلاتهم، كان كل ذلك يعتبر منطقة خاصة على نحو أو آخر. فكان الصحافيون يتجنبون التعليق على هذه الأمور، أما الجمهور الفرنسي فإما أنه كان جاهلاً بهذه التجاوزات أو أنه يعتبر الفساد صفة غالبة على النخبة الحاكمة.

لقد بلغت الجمهورية الأرستقراطية أوجها تحت حكم الرئيس الاشتراكي فرانسوا ميتران، الذي حكم فرنسا من عام 1981 إلى عام 1995. فبعيداً عن أعين الجماهير، كانت طائرة نفاثة حكومية تقله إلى مصر ليقضي عطلات نهاية الأسبوع مع عشيقته وابنته غير الشرعية. ولم يكن على علمٍ بذلك سوى قليل من أهل النخبة في أجهزة الإعلام، الذين لم يتحدثوا عن هذه المسألة قط. أما شيراك الذي خلف ميتران رئيساً للبلاد، فكان أكثر حذراً بعض الشيء.

ولكن كل هذا قد تغير الآن. ففي أقل من أسبوع صدر الحكم على باسكوا بالسجن لمدة ثلاث سنوات بعد إدانته بالتجارة غير المشروعة في الأسلحة. وينتظر دو فيلبان، رئيس الوزراء السابق أثناء رئاسة شيراك، الحكم بعد اتهامه بتنظيم حملة تشهير ضد منافسه على منصب الرئاسة نيكولا ساركوزي. والواقع أن اتهام شيراك أمر غير عادي نظراً لتواضع جريمته المفترضة: فهو مشتبه به بمطالبة المسؤولين البيروقراطيين في المدينة بالعمل لصالح حزبه السياسي وإدارة حملته الانتخابية حين كان محافظاً لمدينة باريس.

وبنغمة أخف، يتعرض وزير الثقافة الفرنسي فريدريك ميتران، ابن شقيق الرئيس السابق، للانتقاد من قِبَل أجهزة الإعلام لدعمه رومان بولانسكي في التصدي للجهود التي تبذلها الولايات المتحدة لتسلمه لمواجهة العقوبة عن اغتصابه لقاصر منذ ثلاثة عقود من الزمان. ولقد تبين أن فريدريك ميتران يشارك بولانسكي ولعه بمن هم في سن المراهقة (ولكن من نفس جنسه في حالة فردريك ميتران).

ويبدو الأمر وكأن ثورة ديمقراطية تأخذ مجراها في فرنسا الآن. وهي الثورة التي يطلق عليها أنصار النظام القديم "ثورة شعوبية". ولكنها ثورة تقع أحداثها داخل أروقة المحاكم، وليس في الشوارع.

لقد أصبح القضاة الفرنسيون أكثر استقلالاً مما كانوا عليه تقليدياً. وبإلهام من قضاة التحقيق في إيطاليا الذين استهدفوا زعماء المافيا، والقضاة الأسبانيين الذين عملوا كمخلصين اجتماعيين، فقد عقد بعض القضاة الفرنسيين العزم على تحويل الجمهورية الفرنسية إلى ديمقراطية واستئصال الفساد.

وتلعب شبكة الإنترنت دوراً بالغ الأهمية في هذه العملية. فاليوم لم يعد بإمكان عشيقة الرئيس الفرنسي السابق ميتران وابنته غير الشرعية الاستفادة من تواطؤ وسائل الإعلام: فلم يعد بوسع "أسرار الدولة" والشطط الأرستقراطي الإفلات من أصحاب المدونات على شبكة الإنترنت اليوم.

ولكن هل يكشف الإعلام أيضاً عن حياة أهل النخبة في فرنسا؟ إن الحق في الحياة الخاصة، بما في ذلك العلاقات غير المشروعة خارج نطاق الزواج، كانت دوماً بمثابة البقرة المقدسة بالنسبة للساسة الفرنسيين. والصحافيون الذين كانوا على علم بمسألة زوجة ميتران الثانية كانوا يزعمون أن الأمر برمته مسألة شخصية. وكان الأمر ليظل مسألة شخصية لولا استخدام ميتران أموال الدولة لكي يوفر لأسرته الثانية السكن، والسائقين الخصوصيين، والطائرات لرحلات نهاية الأسبوع في مصر.

واليوم ما يزال العديد من الصحافيين الفرنسيين يقاومون إغراء الكشف عن الحياة الخاصة لأهل النخبة السياسية. ولكنها في الواقع معركة خاسرة: ذلك أن أصحاب المدونات لا يشاطرون الصحافيين أخلاقياتهم الصحافية. والحق أن ساركوزي يفهم القواعد الجديدة للعبة. فبمجرد افتضاح علاقته الحميمة بعارضة الأزياء السابقة، قرر أن يتزوجها، متجنباً المزيد من الإحراج.

غير أن العادات الأرستقراطية لا تموت بسهولة، حتى في حالة نظام ساركوزي المعرض للأضواء الإعلامية المكثفة. فقد انتخب جان نجل ساركوزي بالفعل لشغل منصب رفيع في حكومة محلية وهو لم يتجاوز بعد عامه الثاني والعشرين. وبحكم طموحه الذي لا يقل عن طموح والده فقد حاول جان ساركوزي مؤخراً تعيين نفسه رئيساً لشركة عامة قوية. فما كان من أصحاب المدونات، ثم الصحافيين التقليديين، إلا أن شرعوا أسلحتهم ضد هذه المحسوبية الصارخة. فانسحب ساركوزي الشاب.

يبدو أن فرنسا حتى الآن لا تستوعب الثقافة الديمقراطية الحقيقية، التي قد نجدها في مناطق مثل الدول الاسكندنافية على سبيل المثال. فلم يحدث أن رأينا وزيراً فرنسياً يستقل حافلة عامة أو قطار الأنفاق للذهاب إلى مكتبه. وما يزال الوزراء الفرنسيون يحتلون قصور القرن الثامن عشر التي كان يسكنها الملك وطبقة النبلاء في الماضي.

وما دام أهل النخبة الحاكمة يعملون في ظل هذا العز وهذه الفخفخة، فليس لنا أن ننتظر منهم أبداً أن يتصرفوا وكأنهم بشر فانون. وكما أعلن الأسقف بوسييت لملكه لويس الرابع عشر: "سوف تموت، ولكنك خالد"، فإن الرؤساء الفرنسيين المعاصرين، وطبقة النبلاء المنتخبين، ما زالوا يتقلبون في عز ونعيم هذا الجو المنحل المنحرف. ولكن كلما أصبحت الغطرسة الفرنسية في المحافل الدولية أكثر إفراطاً، باتت نهاية هذه الحقبة أقرب.

* فيلسوف واقتصادي فرنسي،

 ومؤلف كتاب "الاقتصاد لا يكذب".

خاص بالغد بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت، 2009.

www.project-syndicate.org

التعليق