عيسى الشعيبي

بين يدي حالة الاكتئاب العام

تم نشره في الجمعة 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 02:00 صباحاً

 

لا يختلف اثنان على أن ثقافة الشكوى ومظاهر الحدة والتبرم، وما تشيعه من أجواء اكتئاب واحتدام، ومناخات قلق وإحباط، قد باتت اليوم خاصية فارقة من خصائص الحالة الاجتماعية السائدة لدينا في الآونة الأخيرة، حيث تتراصف هذه المظاهر وتداعياتها السلبية في معظم ما يكتب وعبر جل ما يقال أو نقوله لأنفسنا. كما تتبدى تجلياتها بكل وضوح في سياق النزاعات الاجتماعية والعنف الطلابي ومختلف الحوارات الثنائية، سواء أكانت على مستوى السرايا، أو القرايا، التجار، أو العمال، المقاولين، أو الباعة المتجولين، إلى الحد الذي يمكن القول معه إن مجتمعنا في طوره الراهن قد انتقل من وضعه التقليدي كمجتمع متجهم عبوس إلى مجتمع في طور الاكتئاب.

وفي المقابل، فإن كل اثنين بين ظهرانينا قد يختلفان كثيراً ويتساجلان طويلاً في تشخيص ماهية العوامل الاقتصادية والسياسية المكونة لهذه الحالة الاجتماعية، وقد يتجادلان كذلك في تبيان أهمية العناصر وتراتب الدواعي وأوزان الأسباب المنتجة لها، إلا أن أحداً بيننا لن يتعالى على حقيقة أن حالة الاكتئاب المتفاقمة هذه، وأياً كانت بواعثها، هي محصلة اختلاط الهم العام بأبعاده الوطنية والقومية والإنسانية، بالهم الخاص بمضامينه الشخصية والعائلية، بعد أن أصبح المرء في سيرورته الراهنة إنساناً عولمياً بالضرورة الموضوعية، وغدت الأوضاع والوقائع القريبة والبعيدة، لتبدو في تطوراتها الحسية، غير مواتية في المدى المنظور.

ولعل السؤال هو: هل الكآبة هذه هي إحدى الإفرازات المرضية للحداثة، أو قل آفة هذا العصر الإلكتروني المفتوح على تطورات علمية هائلة، أم أنها إحدى العوارض الجانبية لضريبة التقدم المعرفي الزاحف عبر الإنترنت والمحمول والفضائيات، بما يواكب ذلك من تغيرات في سلم القيم والأولويات والهموم والاهتمامات البشرية، أم أنها نتاج ظروف الكساد والبطالة والفساد وتدهور الأوضاع الحياتية لشرائح اجتماعية واسعة، بدأت تشمل في نطاقها النخب السياسية والثقافية ومنظمات رجال الأعمال ذات الصوت المسموع والخطاب الاجتماعي اللاذع، أم أن هذه الكآبة هي محصلة كل الظروف المحدقة بنا في المحيط العربي الواسع، سيما بعد أن خبت الآمال الكبيرة، وطويت الرايات، وذوت التوقعات وطال ليل العرب الطويل دون أن يدنو الفجر أكثر.

وقد يقول قائل، بحق، إن حالة الاكتئاب هذه، المتحولة إلى مرض اجتماعي مستشر، هي مجرد واحدة من بين مخرجات تلك المنظومة الكبيرة من العوامل والعوارض والأسباب الآنفة الذكر، حيث تتضافر نشرات الأخبار وعناوين الصحف، بكل ما تنقله من وقائع لا تسر البال، وتذيعه من أنباء تغم النفس، وأحداث تكسر القلب وترفع ضغط الدم، نقول تتضافر كل هذه العوامل لإعادة إنتاج وضع مركب شديد الاختلاط، يلقي فيه المشهد العام بظله الثقيل على الحال الخاص بهشاشته المفرطة، وذلك دون أن يبدو في نهاية النفق الطويل البارد ضوء صغير يشد الأبصار إليه، ويرفع درجة التفاؤل، ويجدد طاقة المرء على الاعتصام بالصبر والتمسك بقسط ضئيل من الأمل البعيد.

بكلام آخر، فإن افتقارنا لذلك الحلم القومي الكبير القادر على تعويض الخسائر الجزئية المتفرقة، وافتقادنا لذلك المشروع الذي دمرته عاصفة الصحراء وخيبات عملية السلام، فضلا عن إخفاقات الإصلاح الاقتصادي والإداري والبرلماني والحزبي، كانت كلها بمثابة دعوة ملحة للاستزادة من الاكتئاب، والانصراف أكثر فأكثر نحو الذات، والانخراط أعمق فأعمق في وجع التفاصيل، والتقوقع حول المحيط الخاص، فضلاً عن التطاحن على المكاسب الصغيرة، وتكاثر المعارك النفعية العاجلة، وفقدان الاتجاه واضطراب الأداء، وتفاقم العلل الاجتماعية والنفسية والبدنية لأجيال جديدة صاعدة، يعوزها العمل والأمل، وينقصها الخيال والصبر والقدرة على عقد الرهان الصحيح على غد واعد جميل.

Issa.alshuibi@alghad.jo    

التعليق