جهاد المحيسن

مصطفى محمود والعودة للجذور

تم نشره في الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2009. 03:00 صباحاً

 

الدار البيضاء- بالرغم من كثرة الأبحاث التي تم تأليفها في سياق الحديث عن تشكيل الوعي للفرد والخبرات والثقافة التي تؤسس لحصيلته المعرفية على الصعيد التكويني، إلا أنه لا بد من الاعتراف أن ثمة زوايا يغفلها الباحثون، وهذا الإغفال لا يتم بالضرورة عن قصدية مسبقة بقدر ما هو نتاج تفاعل ذاتي يعيشه الفرد في مراحل تكوينه المختلفة، وعلى وجه الخصوص مرحلة الطفولة.

من على مرمى حجر من المحيط الأطلسي على شواطئ كزابلانكا، وجدتني أعود مرغما إلى مراحل التشكيل الأولى في الثقافة عندي بعد عناء يوم طويل من النقاش المستفيض حول مستقبل المجتمع المدني وعلاقته بالحكومات في جدال تشعب وطال مختلف الاتجاهات والمدارس المعرفية، وعلى الخصوص الفرنسية منها.

قرأت في ساعة متأخرة خبر وفاة المفكر المصري، مصطفى محمود، وما بين اندفاع موج المحيط وانحساره، دخلت الذاكرة بمراحلها المختلفة في مكون الثقافة المرتكزة على الذاكرة عندي حوله ومن ضمن مكوناتها برنامجه الشهير "العلم والإيمان" وكتابه "رحلتي من الشك إلى الإيمان".

فبعد عناء طويل مع مكونات الثقافة المختلفة دخل الدكتور مصطفى محمود كجزء من تلك المكونات، وهنا مكمن القوة والضعف في آن واحد، فمكمن القوة في القدرة يكمن في الجرأة على نقد الذات والتراجع إلى المربع الأول من نقاط البداية والتأسيس لمعرفة مبنية على العلم والإيمان في ذات الوقت.

الضعف يكمن في تحدي العلم وضرورة الانصياع صاغرين لقوة الإيمان وما بين هذين المكونين دخل عالمي مصطفى محمود، وبقي ببساطة لغة المشاهد في برنامجه العلم والإيمان هو الأكثر حضورا في ذاكرتي من كتبه، وربما لأن الصورة وما يتبعها من حديث يرتبط أكثر في الذهن من المقروء، وليس صحيحا، كما روج المستشرقون والمستغربون، على أن العقل العربي عقل سماعي بامتياز فالعقل في كل الثقافات وعند كل الأمم يشكل السماعُ فيه المركب الأكثر رسوخا في تشكيل وعيه وثقافته.

من تلك الزاوية حضر الدكتور مصطفى محمود بجلال قدر قوة السماع ليعدني إلى قوة الإيمان المشفوع بالعلم إلى حين أقدر على التجرؤ على البوح بها في زمن تشكل فيه المعرفة الكزمولبتالية خطرا يمحق مكونات الوعي الأولى، ويحيل كل منتجاتها إلى قوانين السوق التي لا تقيم وزنا لوعي الإنسان الكوني في ضرورات العودة للجذور في التأصيل لنقطة انطلاق نحو آفاق المستقبل المليء بالتناقضات، فهل حقا ساهم مصطفى محمود في تغليب قوة الإيمان على سطوة العلم عندي وعند غيري من ذوي العقل السماعي؟ سؤال ربما من الصعب جدا الإجابة عنه في عجالة تذكرني بقول المتنبي  في هذا المقام، على عجل كأن الريح تحتي!

Jihad.almheisen@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عوضنا الله خيرا في رحيله .. (nasser obeidat)

    الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    د.جهاد المحيسن من العقول والقلوب الكبيره حين يتطرق لمرثاته للدكتور مصطفى محمود

    اجد نفسي دائما انحاز للعالم الفطرى الذي سخره الراحل الكبير ليطل علينابتفسير ظواهره بكل ذلك التشويق المرغوب خصوصا عندما يلتقي الايمان الاعظم الايمان بالله جلت قدرته في العلم والايمان

    يطل علينا من تلك الشاشه الصغيره وفي وجهه تلك السماحه الطبيعيه وتلك السرديات والتوصيفات مع تلك المناظر الحيه وهي تهم بممارسة غرائزها في الصيد مسخرة كل حواسها ورشاقتها المتناهيه حين تات ساعة الصفر..

    بعد عودته لحضيرة الايمان والعودة لله بنى مسجدا كبيرا ليخلد ذكره الوضيء:

    هكذا الدنيا وهذا منتهى
    كل حي ما لحي من بقاء
  • »فقيد العلم (احمد صالح)

    الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    لقد خسرت الامة علم من الاعلام الذين تفتخر بهم هذة الامة على مدار السنوات السابقة ونسأل اللة تعالى ان يتغمدة برحمتة الواسعة ويرزق الامة علماء كثر من امثالة والسلام عليكم
  • »الدكتور مصطفى محمود (يوسف العواد)

    الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    اشكر الكاتب السيد جهاد المحيسن على هذا المقال .واتقدم بأحر العزاء الى شعب جمهورية مصر العربية على كافة مستوياتهم و الى اسرة المرحوم الدكتور مصطفى محمود و اقول لهم عظم الله اجركم.و انالله و انا اليه راجعون.واتوجه بالدعاء الى الله سبحانه و تعالى ان يتغمده برحمته.الدكتور مصطفى محمود علم من اعلام الادب و الفكر و العلم وشخصية اسلامية عظيمة مثيرة للجدل اغنى المكتبة العربية بفكره و ادبه و تجربته في الحياة بين الشك و الايمان و كما اغنى التلفزيون بحلقاته الرائعة من برنامج العلم و الايمان.في ذمة الله العظيم انت الآن.وان غاب وجهك عنا فانك موجود في كتبك و هكذا هي الحياة ما بين مؤيد و معارض لك تبقى تجربتك في الحياة و الفكر تستحق الدراسة لمن اراد ان يعرف الدكتور مصطفى محمود الانسان الباحث عن الحقيقة المدعومة بالعلم و الايمان.
  • »مصطفى محمود (محمد فيصل)

    الاثنين 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2009.
    رحم الله الرجل. ولكن فكريا كان ضحلا في إلحاده و ضحلا في ابمانهو عمل على القاعدة المصرية المعروفة في صناعة الترفيه و القائلة"الجمهور عايز كده"