المساعدات الأميركية للأردن: وجهة نظر

تم نشره في الأحد 25 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 03:00 صباحاً

 

في الثامن والعشرين من الشهر الماضي تم توقيع خمس اتفاقيات بين الحكومة الأردنية والحكومة الأميركية بقيمة 411.4 مليون دولار تقدمها الولايات المتحدة كمنح للأردن لعام 2009، لدعم الخزينة وعدد من القطاعات الإقتصادية.

 ونشهد منذ فترة تناقضا في الأرقام ونقاشا حول نقص أو زيادة المساعدات الخارجية وتساؤلات حول أهميتها ودورها وجدوى ما تنفق عليه، ولكون المساعدات الأميركية؛ مالية وفنية، تعد من أهم ما يتلقاه الأردن من المساعدات الخارجية فقد يكون مناسبا أن نلقي بعض الضوء عليها ومدى الإستفادة منها بعيدا عن الثمن السياسي لها.

فقد اعتمدت إمارة الأردن عند نشأتها في بداية عشرينات القرن الماضي  على الإمبراطورية البريطانية التي كانت تسيطر على المنطقة بما فيها فلسطين ومصر والعراق؛ حيث بقي الحال كذلك حتى تأسيس المملكة الأردنية الهاشمية ما بعد الحرب العالمية الثانية التي خرجت منها بريطانيا العظمى منتصرة ومنهكة وغير "عظمى" مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب، في الوقت الذي خرجت فيه الولايات المتحدة الأميركية من تلك الحرب الدولة المنتصرة قولا وفعلا.

وكانت إحدى النتائج الإقتصادية السياسية لتلك الحرب إعلان أميركا لما سمي " بخطة مارشال " التي قدمت بموجبها التمويل لإعادة بناء اقتصادات الدول التي اشتركت بالحرب كبريطانيا واليابان وألمانيا، التي صاحبها بداية الحرب العالمية الثالثة الباردة التي جعلت أميركا كقوة عظمى ترى مصالحها تمتد وتتشعب لتشمل عواصم العالم كبيرها وصغيرها مثل عمان، عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية، وتنشأ الوكالة الأميركية للتنمية الدولية (USAID ) حيث أصبح الأردن من بين تلك الدول التي بدأت تتلقى منها المساعدات المالية والفنية الأميركية.

وكانت العلاقة الأميركية الأردنية قد بدأت بزيارة المغفور له الملك حسين رحمه الله في عهد إدارة الرئيس أيزنهاور، التي ما لبثت أن تطورت على مدى السنوات الستين الماضية بحيث أصبحت مثالا للعلاقات الدولية المتميزة باستقرارها ما ساعد في ترسيخها ليصبح الأردن على قائمة أكثر الدول التي تتلقى المساعدات الأميركية.

تلقى الأردن من الولايات المتحدة خلال العام 2009 ما مجموعه (5  و513 ) مليون  دولار كان منها ( 236 مليونا ) دعما مباشرا لحساب الخزينة العام، بينما توزع الباقي على قطاع التعليم (77 مليونا) من أجل بناء مدارس جديدة وصيانة مدارس قائمة وقطاع المياه ( 62 مليونا )  لزيادة مخزون المياه وتطوير إدارة شح المياه المتوفرة، وقطاع تحفيز النمو الإقتصادي ( 51 مليونا ) لخلق فرص عمل للمواطنين وتشجيع الإستثمار وتحسين بيئة الأعمال في المملكة، والقطاع الصحي (31 مليونا ) لبناء مستشفيات جديدة وصيانة القائم منها وعلى الأخص ما يتعلق بصحة الأطفال والأطفال حديثي الولادة، بينما توزع الباقي ( 20% ) على قطاع الطاقة لتعزيز قدرة الأردن على الإستفادة من الطاقة المتجددة وقطاع الشباب وتعزيز الديموقراطية.   

وقد نشأت أدبيات اقتصادية سياسية حول المساعدات الخارجية وأهميتها وكيف يتم إنفاقها وأثرها الحقيقي على تحسين أحوال الدولة المتلقية للمساعدة وأحوال مواطنيها وآثارها السلبية مثل ارتهان اقتصاد الدولة المتلقية للمساعدات لشروط الدول المانحة وخلق نماذج طفيلية في هياكلها السياسية والإقتصادية والاجتماعية وتنمية سلوكيات استهلاكية قد لا تناسبها وتلك الآثار الإيجابية كحاجة الدول المتلقية لتلك المساعدات وإمكانية استثمارها لخلق حالة تنموية مستدامة تناسب ظروفها وتحسن رفاه مواطنيها وتبعدهم عن الفقر.

بالنسبة للحالة الأردنية والمساعدات الأميركية، فقد كان الاقتصاد الاردني هشا منذ نشأة الدولة كما نعلم، فموارده فقيرة وأضاف موقعه الجغرافي متطلبات وتبعات كلفته الكثير بحكم علاقته اللصيقة بالقضية العربية الفلسطينية وتطوراتها.

 واستطاعت قيادته السياسية في وقت مبكر أن تلحظ تغيير موازين القوى العالمية، فأولت علاقة الدولة الأردنية مع أميركا جل اهتمامها وقامت برعايتها على مدى زمني تجاوز الخمسين عاما تبدلت خلالها الإدارات التي سكنت البيت الأبيض وتغيرت رموزها، ورغم ذلك بقيت العلاقة تتحسن وتتجذر وتزداد معها المساعدات والمنح.

ولكي لا نعود كثيرا إلى الوراء فالأرقام الرسمية تقول أن أميركا قدمت للأردن خلال الفترة من عام 1997- 2009 مساعدات مالية وفنية  بلغت ( 4.3) بليون دولار، تمت بالتعاون والتنسيق مع الحكومات الأردنية المتعاقبة والتي كان آخرها المنح التي تم توقيع اتفاقياتها أواخر الشهر الماضي، حيث كان مبلغ المساعدات السنوية المنتظمة خلال تلك الفترة قرابة (3) بلايين دولار والباقي قدمتها الولايات المتحدة كمساعدات إضافية لظروف الحاجة الأردنية.

ومن الجدير ذكره أن 41% من هذا المبلغ كان تحويلات نقدية مباشرة لدعم الخزينة الأردنية، بينما حاز قطاع المياه على 16% منه وتعزيز النمو الإقتصادي على 11% وقطاع الصحة 6% وقطاع التعليم (5و5 %) بينما توزع الباقي على جهود مكافحة الفقر وقطاع الشباب والطاقة المتجددة وتنمية الحكم المحلي.

وبنظرة سريعة على أرقام أموال المساعدات الأميركية والقطاعات التي أنفقت عليها، نجد الأثر المباشر لها على حياة المواطن الأردني في الصحة والمياه والتعليم، لكن العبرة تبقى في حسن استفادة الحكومات الأردنية من هذه المساعدات وتوظيفها بما يخدم مصلحة المواطن ليتمكن من المحافظة على مستوى معيشته ومساعدته ليعتمد أكثر على نفسه وعلى قدراته العلمية والفنية لتبقى عنصر التنمية الفعلي الدائم وراء بناء قوة بشرية فنية مؤهلة ما يمكنه من استمرار رفع مستواه المعيشي.

لقد تمكن الأردن من بناء شبكة علاقات خارجية ناجحة تمكن خلالها من استقطاب عون الأصدقاء، ما يضع الحكومات أمام تحدي الإستفادة من هذه المساعدات وفق آلية مرنة تستند إلى مشاركة شعبية أوسع ومشاريع تتمتع بأولوية وخطط واضحة مدروسة يتم ضخ أموال المساعدات فيها إن وصلت، واستكمال المسيرة الأقتصادية والمالية الآمنة إن تأخر وصولها أو لم تصل وعدم الإرتهان لورودها، ما يعزز استقراره الإقتصادي والمالي والسياسي، مع ضرورة رسم استراتيجية اقتصادية ومالية تقلل بالتدريج من الإعتماد على هذه المساعدات الخارجية لتبقى رديفا لتقوية الاقتصاد وتعزيز منعته وتنافسيته وصيانة بنيته الإقتصادية التحتية المادية والبشرية على المدى الأبعد، بخاصة أن الأرقام تقول أن المساعدات الأميركية للأردن منذ عام 1952 وحتى 2009 قد بلغت ما يقارب ( 6 ) بلايين دولار وهو حجم متواضع أمام الدور الذي يفرضه عليه واقعه الجغرافي والسياسي والإقتصادي.

ولكي تبقى المساعدات الأميركية للأردن فرصة وقصة نجاح في استثمارها، واستثمار غيرها من مساعدات الأشقاء والأصدقاء، بمثلها البارز الذي استطاع الأردن فيه أن يحقق نجاحات رائعة عندما خفض نسبة الأمية ومد شبكات الطرق والكهرباء والماء ووفر التعليم بمراحله المختلفة ووفر الأمن والإستقرار في سيمفونية تنموية أمَنت للمواطن الأردني، على الرغم من شح الموارد، مستوى حياة لائقا كريما لا نراه في كثير من بلدان العالم الغنية أو التي تتلقى من المساعدات أضعاف ما يتلقاه الأردن. 

ولكي يكون الأردن بوابة المنطقة الإستثمارية التي تزهر نموا وأمنا واستقرارا فإن الحكومة مطالبة بمزيد من الشفافية حول المساعدات الخارجية ومزيد من التنسيق بين وزاراتها وأن تركز جهودها على الإستفادة من هذه المساعدات وتوظيفها الأمثل ومعالجة الإختلالات المالية وعدم إلقاء اللوم داخليا هنا وخارجيا هناك حيث لا ينفع التلاوم في عالم لن تستمر فيه مساعدات الأصدقاء والأشقاء إلى الأبد.

 كذلك، فإن الطرف الأميركي وهو يرى بذور مساعداته تثمر خيرا ورفاها وأمنا واستقرارا داخليا وإقليميا، حيث يقدم الأردن نموذجا لقصة نجاح العلاقات الإقتصادية السياسية بين دولة عظمى تمثل قطب الرحى العالمي ودولة صغيرة تسوسها الحكمة واقتدار مواطنيها ليكون مثالا تقدمه الإدارات الأميركية لسلطاتها التشريعية لترصد المزيد من المساعدات لدولة صغيرة الحجم والامكانيات الاقتصادية قوية الارادة لتضيء شمعة يدرس على ضوئها طفل أردني.

التعليق