مستقبلنا المنخفض الكربون

تم نشره في الجمعة 9 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 03:00 صباحاً

 

 إن مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ، والذي من المقرر أن يعقد في كوبنهاجن في شهر كانون الأول (ديسمبر)، لا بد أن يشكل ذروة عامين من المفاوضات الدولية بشأن إبرام معاهدة عالمية جديدة تهدف إلى معالجة أسباب وعواقب الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري العالمي.

لقد أصبحت الحاجة ماسة إلى التوصل إلى اتفاق عالمي بشأن تغير المناخ. فقد بلغت تركيزات ثاني أكسيد الكربون، وغيره من الغازات المسببة للانحباس الحراري العالمي، في الغلاف الجوي 435 جزءاً في المليون من مكافئ ثاني أكسيد الكربون، مقارنة بحوالي 280 جزءاً قبل التحول إلى التصنيع في القرن التاسع عشر.

وإذا واصلنا إطلاق هذه الغازات الضارة الناتجة عن أنشطة مثل حرق الوقود الأحفوري وقطع الغابات، فإن التركيزات قد تصل إلى 750 جزءاً في المليون بحلول نهاية هذا القرن. وإذا حدث ذلك فإن الارتفاع المحتمل في متوسط درجات الحرارة العالمي نسبة إلى زمن ما قبل الثورة الصناعية سوف يكون 5 درجات مئوية أو أكثر.

لم تشهد الأرض مثل هذا الارتفاع في درجات الحرارة منذ ثلاثين مليون عام. والآن بات لزاماً على الجنس البشري، الذي لم يكن له وجود على الأرض قبل مائتي ألف سنة، أن يتعامل مع بيئة أكثر عدائية من أي وقت مضى. فسوف تصبح الفيضانات والجفاف أكثر شدة، وسوف ترتفع مستويات سطح البحر عدة أمتار، الأمر الذي لابد وأن يسفر عن اضطراب حياة الناس وحرمانهم من موارد الرزق، وأن يؤدي إلى تحركات سكانية كثيفة وصراعات محتمة في مختلف أنحاء العالم. فضلاً عن ذلك فإن بعض أجزاء العالم سوف يغمرها الماء؛ وسوف تتحول أجزاء أخرى منه إلى صحراوات.

إن بلدان  العالم النامي تدرك عدم إنصاف الموقف الراهن وتشعر بالغضب إزاءه. ذلك أن المستويات الحالية من الغازات المسببة للانحباس الحراري ترجع في أغلبها إلى التصنيع في بلدان العالم المتقدم منذ القرن التاسع عشر. ورغم ذلك فإن البلدان النامية هي الأكثر عُرضة للمخاطر والعواقب المترتبة على تغير المناخ، الذي يهدد النمو الاقتصادي اللازم للتغلب على الفقر. وفي الوقت نفسه فإن خفض مستويات انبعاث الغازات الحالية بالدرجة المطلوبة ليس بالأمر الوارد من دون المساهمة المركزية من جانب بلدان العالم النامي.

إن تغير المناخ والفقر هما التحديان المميزان لهذا القرن، ولابد من التعامل مع التحديين معاً. وإن إخفاقنا في التصدي لأحد هذين التحديين يعني الفشل في التصدي للآخر. والمهمة التي تواجه العالم الآن تتلخص في الالتزام بقيود واضحة في التعامل مع الكربون والعمل في نفس الوقت على خلق النمو اللازم لرفع مستويات معيشة فقراء العالم.

ولتجنب المخاطر الشديدة التي ستنجم عن ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية لأكثر من درجتين مئويتين، فيتعين علينا أن نعمل على خفض تركيزات ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي للكرة الأرضية إلى أقل من 450 جزءاً في المليون. وهذا سوف يتطلب خفض الانبعاثات العالمية السنوية من حوالي 50 جيجا طن من معادل ثاني أكسيد الكربون إلى أقل من 35 جيجا طن بحلول عام 2030، ثم أقل من 20 جيجا طن بحلول عام 2050.

اليوم، يبلغ نصيب الفرد السنوي في الانبعاثات الغازية في الاتحاد الأوروبي 12 طناً، وفي الولايات المتحدة 23,6 طن، مقارنة بحولي 6 أطنان في الصين، وحوالي 1,7 طن في الهند. وحيث أن التوقعات تشير إلى أن تعداد سكان العالم سوف يبلغ نحو 9 بلايين نسمة بحلول عام 2050، فلا بد من تخفيض نصيب الفرد السنوي في الانبعاثات الغازية إلى ما يقرب من طنين من معادل ثاني أكسيد الكربون في المتوسط، حتى يصبح الإجمالي السنوي العالمي أقل من عشرين جيجا طن.

إن أغلب البلدان المتقدمة تستهدف تخفيض الانبعاثات الغازية بما لا يقل عن 80% ـ نسبة إلى مستويات عام 1990 ـ بحلول عام 2050. وإذا كانت البلدان المتقدمة راغبة في إقناع البلدان النامية بأن هدف عام 2050 قابل للتحقيق، فيتعين عليها أن تكون طموحة وواقعية في التعامل مع التحديات السياسية الداخلية التي تواجهها فيما يتصل بتبني وتلبية الأهداف الملحة لعام 2020، وعام 2030، وعام 2040.

وتحتاج البلدان النامية إلى مساعدات كبيرة ودعم من البلدان الغنية حتى تتمكن من تلبية أهداف خططها الخاصة في تحقيق النمو الاقتصادي المنخفض الكربون، فضلاً عن التكيف مع التأثيرات الناجمة عن تغير المناخ والتي أصبحت الآن محتمة الحدوث على مدى العقود القليلة المقبلة. كما يتعين على البلدان المتقدمة أن توفر الدعم القوي للتدابير الرامية إلى وقف إزالة الغابات في البلدان النامية، وخفض الانبعاثات بصورة ملموسة وبسرعة وبتكاليف معقولة.

واستناداً إلى تقديرات حديثة للمتطلبات الإضافية من جانب العالم النامي نتيجة لتغير المناخ، فإن البلدان الغنية لابد وأن تقدم للعالم النامي دعماً مالياً سنوياً ـ فضلاً عن التزامات المساعدات الخارجية القائمة ـ يبلغ حوالي 100 بليون دولار لمساعدتها في التكيف مع التأثيرات الناجمة عن تغير المناخ ونحو 100 بليون دولار أخرى لتخفيف تلك التأثيرات بحلول مطلع العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين. ومن الممكن توفير جزء من المبلغ الأخير من خلال سوق الكربون. ويتعين على البلدان الغنية أيضاً أن تثبت أن النمو المنخفض للكربون أمر ممكن من خلال الاستثمار في التقنيات الجديدة التي لابد من تقاسمها مع البلدان النامية من أجل دعم جهود التخفيف.

والآن بدأنا نشهد بالفعل الابتكارات غير العادية التي يقدمها القطاع الخاص، والتي ستعمل على دفع التحول نحو الاقتصاد العالمي المنخفض الكربون. ومن الممكن أيضاً أن تساهم الاستثمارات في كفاءة الطاقة والتقنيات المنخفضة الكربون في انتشال الاقتصاد العالمي من التباطؤ في غضون العامين المقبلين. والأهم من ذلك أن هذه التقنيات قادرة من خلال الدفع نحو النمو المنخفض الكربون على خلق الفترة الأكثر ديناميكية وإبداعاً في تاريخ الاقتصاد، والتي سوف تتجاوز أهميتها بلا أدنى شك اختراع السكك الحديدية، أو شبكات الطاقة الكهربية، أو حتى شبكة الإنترنت.

لا يوجد بديل حقيقي، فالنمو المرتفع الكربون محكوم عليه بالزوال، حيث يصاب بالشكل نتيجة لارتفاع أسعار الوقود الأحفوري، ثم تقضي عليه تماماً البيئة العدائية الناجمة عن تغير المناخ. أما النمو المنخفض الكربون فسوف يكون أكثر ضماناً لإمدادات الطاقة، وأكثر نظافة وهدوءاً وأماناً، وتنوعاً على المستوى البيولوجي.

يتعين علينا أن نتعلم من الأزمة المالية أننا لو تجاهلنا التهديدات والمخاطر فإن العواقب سوف تكون وخيمة حتماً في نهاية المطاف. وإذا لم نبدأ على الفور في مكافحة تدفق الانبعاثات الغازية المسببة للانحباس الحراري العالمي فإن التركيزات في الغلاف الجوي سوف تستمر في النمو، الأمر الذي من شأنه أن يجعل العمل في المستقبل أشد صعوبة وأكثر تكلفة. قد يكون بوسعنا الآن أن نؤجل أشكال الإنفاق العام الأخرى، ولكن تأجيل التدابير الخاصة بمكافحة تغير المناخ يشكل خياراً باهظ التكاليف ومحفوفاً بالمخاطر.

إن تغير المناخ يفرض تهديداً خطيراً على مستقبلنا الاقتصادي، في حين يعدنا النمو المنخفض الكربون بعقود من الرخاء المتزايد. إن الخيار في كوبنهاجن سوف يكون جلياً واضحاً، والمخاطر لن تكون أعلى مما هي عليه الآن بالفعل. ونحن ندرك تمام الإدراك ماذا يتعين علينا أن نفعل، ولا شك أننا قادرون على الاضطلاع بهذه المهمة.

* رئيس معهد جرانثام لأبحاث تغير المناخ والبيئة، وأستاذ الاقتصاد والعلوم الحكومية لدى كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، وعضو مجلس اللوردات البريطاني. وكان يشغل سابقاً منصب رئيس هيئة الخدمات الاقتصادية الحكومية في المملكة المتحدة، ومنصب كبير خبراء الاقتصاد لدى البنك الدولي.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت 

التعليق