أن تعيش بالشرق الأوسط

تم نشره في الجمعة 9 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 02:00 صباحاً

 

بالتأكيد لم يكن يعرف الروائي والمؤرخ الأميركي الفريد ماهان، الذي اخترع مفهوم الشرق الأوسط العام 1902، ما سيلقيه ظلال هذا المصطلح على العالم كله، لكن ظلاله بالتأكيد ثقيلة على ساكني منطقة الشرق الأوسط.

في حين يتوقف المرء، ويتساءل: هل الجغرافيا السياسية التي يحيا عليها، ومدى الأثر الذي تتركه فيه وفي سلوكه يخرج ببعض الانطباعات التي هي بالضرورة مرتبطة بالمكان، وهي أمورٌ أو انطباعات تجعل التفاوت بين الشعوب أمراً ثابتاً يصعب أن يكون فيه قولان، والسؤال هذه المرة ببساطة متعلق بمعنى أن يعيش الإنسان في منطقة الشرق الأوسط.

الإجابة عن التساؤل السابق فيها درجة من الاعتراف بحقائق لا تخلو من جوانب غير مفرحة، لكن ذلك لا يعني أن البشر باستطاعتهم التخلي عن أماكنهم، وإهمالها كما يفعلون بالمهمل من النفايات.

أن تعيش في الشرق الأوسط يعني أن تكون مثقلاً بالسياسة في كل جزءٍ من ثانية حياتك حتى لو قررت أنك لا تريد أن تسمع أو تقرأ أو تشاهد أو تناقش، فإن ذلك لا يعفيك من ظلال السياسة التي تفرض نفسها عليك، كما هي حاجتك للأكسجين.

أن تعيش في الشرق الأوسط يعني أنك والتوتر خلان، فإن فارقك التوتر تساءلت مع نفسك: أين أذهب؟ لعلك تسعى لاسترجاعه حتى تتحقق لك ذاتك التي تنسجم مع المكان. و يذهب الأمر إلى أبعد من ذلك فحسب بعض الدراسات فإن التوتر يرافقك حتى في بقاعٍ أخرى على الأرض، بعبارة أخرى إنك من دون أن تشعر تحمله في حقائبك كما تحمل ملابسك، ولكن عزيزي القارئ تأكد أن لا يزيد توترك على 20 غم.

أن تعيش في الشرق الأوسط يعني أن درجة ثقتك بالأشياء ليست عاليةً دائماً؛ بعبارة أخرى فالشك بالأشياء والأشخاص والأفعال أمرٌ حتمي. والمحزن هنا أنه ليس الشك (الديكارتي) الذي يرى بأن الشك أصل المعرفة.

أن تعيش في الشرق الأوسط يعني أن تكون على مسافةٍ بعيدة من معاني الجمال في الكلمات، فأنت على موعدٍ مع كلماتٍ من قبيل (الحرب، الصراع، القتلى، الجرحى، الأرامل، انعدام العدل، الفقر، المرض، الظلم، الاستبداد...)، لعل في غياب الكلمات الجميلة الأثر الكبير في النفس وفي السلوك.

أن تعيش في الشرق الأوسط يعني أنك هدف وأنك عديم التأثير، وأن ملعبك يتنافس فيه المتنافسون من دون أن تكون أنت منهم.

تلك هي بعض المعاني التي يمكن أن تعنيها حياة الملايين في هذه المنطقة التي لا يختلف اثنان على أنها مهد الرسالات السماوية، لكنها اليوم تحولت بعد كل ذلك إلى عبء على إنسانها. فهل هي سلبية على إنسانها، أم أن هنالك عوامل أصعب من ذلك فرضت كل هذه معاني على ساكنيها في المنطقة؟

أن تعيش في الشرق الأوسط يعني أن يصبح الاختلاف نقمة بعد أن كان رحمة، أن يتحول الاختلاف إلى حرب من الحروب الداخلية تأكل الأخضر واليابس.

mahjoob.zweiri@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الشرق الاوسط (يوسف العواد)

    الجمعة 9 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    اشكر الكاتب الدكتور محجوب الزويري على هذا المقال الرائع و الذي يسلط الضوء على حالة اجتماعيةانسانية في الشرق الاوسط تكاد تكون فريدة من نوعها في هذا العالم التي قطعت فيها الدول شوطا كبيرا في التقدم الحضاري بمفهومه الواسع. السؤال المحير لماذا لا نراوح مكاننا و التاريخ دائما عندنا يعيد نفسه و نلدغ من الجحر اكثر من مرة و بأسنا بيننا شديد و نعشق التمزق و الفرقة و نبذل لاجلها المهج و الارواح.ما اكثر الذين يملكون الحقيقة الكاملة الوحيدة في شرقنا الاوسطي و هي سمة بارزة يشترك فيها المتدينون و العلمانيون و القوميون وغيرها من المسميات .مشكلتنا اننا نحتكم للقتال بدل الحوار في فرض افكارنا و لم نجعل الاختلاف لا يفسد للود قضية.