د.باسم الطويسي

القوة الناعمة التركية الجديدة

تم نشره في الثلاثاء 6 تشرين الأول / أكتوبر 2009. 02:00 صباحاً

 

بعد تهيئة سياسية جريئة؛ نلاحظ أن الانعطاف الاستراتيجي في السياسة الخارجية التركية أخذ منذ سنوات بالدخول في لعبة التنافس على استخدام وتوظيف القوة الناعمة في مخاطبة الرأي العام العربي، وذلك باستخدام أدوات الإعلام والثقافة والدبلوماسية الناعمة.

الأسبوع الماضي أطلقت "الهيئة العامة للإذاعة والتلفزيون التركية " قناة تلفزيونية جديدة (TRT7) ناطقة باللغة العربية لتكون القناة الأخيرة في  سلسلة قنوات رسمية موجهة من دول كبرى وإقليمية هدفها التحدث للرأي العام العربي.

خلال حرب غزة الأخيرة صعد نجم النخبة التركية الحاكمة، وكانت الأكثر قرباً من وجدان الشارع العربي ووعيه بل أن الحدة التي خاطب فيها أوردغان إسرائيل والرأي العام الدولي كانت صادمة للعرب أنفسهم ، كان ارودغان بطل تمرين تعبوي واسع ومفاجئ بأسلحة الدبلوماسية الناعمة

 في حين شكلت ردود الفعل التي أثارتها المسلسلات الدرامية التركية التي بثتها قنوات عربية بسخاء ومن خلال نسخ مدبلجة منذ عدة سنوات قليلة حالة من الإثارة والنقاش العام ونسبة مشاهدة عالية وحالة تماهي مع الأبطال والبطلات، من منظور إعلامي يمكن أن نفسر ذلك بما تقدمه هذه الدراما من رومانسية عالية ونمط حياة مختلف فيه درجة من الانفتاح وفي مخيلة المشاهد صفة المجتمع المسلم، لكنها كالعادة موجة إعلامية تتلاشى إذ لم تكن خلفها إرادة سياسية.

وإذا ما عدنا إلى القناة الجديدة التي لن تكتفي بتقديم نمط الحياة التركية الذي يجمع بين التقاليد والانفتاح الغربي في مجتمع إسلامي عملي، ولن تكتفي أيضاً بعرض الطبيعة في هذا البلد الشاسع والمتنوع بل سوف تقدم صوت تركيا الرسمي، فان من المتوقع أن تكون هذه القناة رأس حربة موجه من عناصر القوة الناعمة الجديدة التي تحتاجها التحولات الاستراتيجية التركية في المجال العربي وأهم أهدافها بناء صورة ذهنية جديدة تحل مكان صورة تركيا العثمانية في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين في الذاكرة والمخيلة العربية.

من الأهداف الأخرى للقوة الناعمة التركية تسويق نمط حياة جديد وسط المجتمعات العربية يجمع بين التقاليد الإسلامية والقيم الغربية بالإضافة إلى الترويج لقيم سياسية جديدة، إذا ما علمنا أن تجربة الإسلاميين الأتراك في الحكم تثير إعجاب نخبة واسعة من قادة الرأي وحتى داخل المجتمعات السياسية العربية.

تنامي توظيف القوة الناعمة في السياسة الخارجية التركية يتزامن مع انجازاتها على الأرض ومنها الدور الكبير الذي قامت به تركيا وما تزال تتابعة على مسار المفاوضات السورية – الإسرائيلية، ورفض تركيا طوال السنوات الماضية المساهمة في المخطط الغربي لعزل سورية، كما تجاوزت التجارة بين العالم العربي وتركيا (18) بليون دولار ويجري العمل على إقامة منطقة حرة وغرفة تجارة مشتركة بين تركيا وأكثر من جهة عربية.

الميلاد الجديد للدولة التركية يعني من زاوية أخرى، ربما هي الأهم، أن الدولة التركية تتأهل لدور كبير منتظر على الصعيد الدولي والإقليمي، تبدو ملامحه في الالتقاء تارة والتقاطع تارة أخرى مع أفكار ومشاريع غربية وإقليمية طالماً استبقت نقاشاً ولم تر النور، لقد مارس حزب العدالة والتنمية خلال وجوده في السلطة سياسة خارجية إقليمية ودولية تتحلى بالكثير من التوازن والانضباط ، ويكفى أن نراجع مواقف تركيا السياسية منذ عام 2002 حيال القضايا الشرق أوسطية.

الدور المقبل لتركيا الجديدة لن يعتمد على القوة الصلبة وحدها، بل ان أهم مفصل فيه كما يبدو سيكون في كفاءة استخدام القوة الناعمة من خلال الدبلوماسية الناعمة والدبلوماسية الشعبية والثقافة والإعلام، والمهمة التركية لن تكتفي برسم صورة جديدة للأتراك ودولتهم بل ستتجسد في نشر قيم سياسية وثقافية جديدة تدشن البنية التحتية للشرق الأوسط الجديد الذي يعتقد الكثيرون أنه فكرة قيلت وماتت. 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »100% مع التحالف التركي و لكن (فادي)

    الثلاثاء 6 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    يا ريت يا ريت عنا اسلام منفتح زي اللي بتركيا, وايضا فان التحالف مع تركيا يقوي شوكة العرب ضداسرائيل و ايران, ولكن اهم اشي ان تكون المعادلة مع تركيا win-win (لكي تستمر) يعني ما بدنا نفتح اسواقنا للمصانع التركية, بينماالمستهلك التركي يرفض شراء ما هو غير تركي, بالاضافة يجب على تركيا ان تبدا بتعليم اولادها ان العرب هم حليف و عمق لتركيا و ليسوا جنس "دون" كما هو منتشر حاليا للاسف في تركيا.
  • »السياسه لاتعرف الأخلاق (مواطن حر في وطن حر)

    الثلاثاء 6 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    سعادة الدكتور باسم الطويسي المحترم
    لقد شكلت القوة الناعمة في مرحلة تاريخية معينة أحد الوسائل المؤثرة في السياسة الخارجية التركيه بجميع مكوناتها ومدلولاتها.
    فالمسلسلات التركية أصبحت أحد وسائل السياسة الخارجية التركية في المنطقة العربية ضمن القوة الناعمة والتي أستطاعت أن تحدث تأثير ايجابي لدى الكثير من العرب تزامن ذلك إلى عودة الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط والمواقف الايجابية تجاه القضايا العربية. مما يطرح سؤالاً مهماً حول مدى التأثير الذي يمكن أن يصاحبة البعد الثقافي في حياة الشعوب.
    فالإدارة الأمريكية في عهد بوش الأبن قد خسرت الكثير من شعبيتها في العالم بشكل عام وفي الدول العربية بشكل خاص، مما قلل من تأثيرات البعد الثقافي الأمريكي، الأمر الذي سيدفع الإدارة الجديدة بقيادة أوباما إلى التركيز على عودة القوة الناعمة، وتلميع صورة أمريكيا خارجيا، لما للبعد الثقافي من أهمية في التأثير في تغيير سلوكيات الناس بشكل ايجابي أو سلبي.
  • »تعاظم الدور التركي بالمنطقة العربية (محمد النسعة)

    الثلاثاء 6 تشرين الأول / أكتوبر 2009.
    اضيف على ما قاله الدكتور بأنه قدتعاظم الدور التركي في المنطقة العربية، خاصةً في أعقاب العدوان الصهيوني الإجرامي على غزة، والمجازر التي تُمَارَسُ ضد أهلها العزل، أَمْرٌ مُتَوَقَّع، من دولة تبني نفسها بهدوء وعقلانية ومنطق، بناءً يقوم على أسس قوية، من نظام سياسي قوي، واقتصاد يشهد الكثيرون بتطوره، وقيادة أجبرت الجميع على احترامها، ولم تَبْنِ تركيا نفسها بإعلام مزيف يُضَخِّم الأمور ويكذب، ولا يعكس الواقع، كما تفعل العديد من نُظُمِنا العربية.

    كان من المنطقي أن تتطور تركيا، وتلمع على مسرح السياسة الإقليمي والدولي؛ لأن نظامها السياسي جاء عبر انتخابات حرة، ولم يأت من خلال التزوير، مثلما كان من الطبيعي أيضًا أن يتقلص الحجم والدور الإقليمي لدولنا العربية الكبرى، التي جاءت نظمها السياسية دون إرادة جماهيرية، وبالتزوير، فأضحت لا تحترم هذه الجماهير، ولا تعبر عنها.
    وشكرا للدكتور على مقاله الرائع