عواصف الحنين

تم نشره في الأحد 27 أيلول / سبتمبر 2009. 03:00 صباحاً

 

مؤخّراً أصبح التّخيّل يسبب لي بعض المشاكل، فأنا ما أن أتذكّر شخصاً عزيزاً أو مكاناً أليفاً حتى تنهمر في رأسي مشاهد غير متوقّعة. حدث ذلك معي حين زارني في أيام العيد الأخير أحد الأقارب القادمين من الضّفّة، وقال بفرح شديد: أريد أن أقدّم لك أجمل الهدايا. ولمّا نظرت إليه وكان لا يحمل شيئاً في يديه، قلت له مجيؤك بحد ذاته هو أحلى هديّة لي، ففيك رائحة البلاد! عند ذلك ما كان منه إلا أن مدّ يده إلى محفظته، وأخرج منها مجموعة من الصّور، بسرعة فردها على الطاولة، قال لي: انظر، ماذا ترى أمامك؟ تأمّلت الصّور، فشاهدت ما يشبه المناظر الطبيعيّة، شجراً معرّشاً وأعشاباً هائجة، قلتُ له: يا لها من مشاهد خلابة! قال لي: انظر في الصّور جيّداً. نظرت مرّة أخرى فشدّني وجود بعض الحجارة المتماسكة كجزء متبقٍّ من جدار. يبدو أنّ هناك ملامح بيت ما، قلتُ له، قال بخبث: نعم، سألته: بيت من هذا الذي في الصّور، قال بشكلٍ حاسم: إنّه بيتك يا عزيزي.

كانت الجملة الأخيرة التي نطق بها قريبي كافية لأن تدمّرني على آخري، عواصف من الحنين اجتاحتني على حين غرّة، ولعبت بي، أسئلة مجنونة اضطربت في رأسي وضربت صدغيّ. يا إلهي أهذا كلّ ما تبقّى لي من الحياة، بقايا بيت في صورة؟! ثمّ أين أبي؟ أين أمّي؟ أين أولئك النّاس الوديعون الذين كانوا يملأون ذلك المكان بقاماتهم وأصواتهم؟ ما الذي حدث لي بالضّبط؟ يا لها من قسوة ثقيلة وجريمة غير مبرّرة ارتكبتها الإنسانية بحقّي!

صحوت من هذه التّأمّلات على صوت قريبي الذي قال لي: أنت لم تسأل عن الطريقة التي صوّرتُ بها البيت! قلت: هذا صحيح. قال: لقد اصطحبت شيخاً كبيراً في السّن ليدلّني على الطّريق، ومن ثمّ على الخِربة التي تبعد أكثر من عشرين كيلومتراً عن حدود الضفّة داخل أرض فلسطين 1948، لقد تغيّرت ملامح البلاد، واضطررت لتبديل الطريق مرّات عديدة بناءً على أوامر الشّيخ.

***

مرّت مشاهد الرّحيل في ذاكرتي، أغمضتُ عينيّ وصرت أحاول استحضار ما حدث في تلك اللحظة الرّهيبة، أصبحت أرى تلك المشاهد وكأنّها حدثت معي، هذا مع العلم أنّني ولدت بعد زمن النّكبة بسنوات. رأيت القذائف تنهال على الخربة، فيما طائرة حربية تحوم في السّماء، رأيت جموع الناس الراحلين واليأس الذي يعلو وجوههم، قال أبي لأمّي حين خرجنا من البيت: ماذا تفعلين يا امرأة؟ هل نحن ذاهبون إلى آخر الدنيا؟ يوم... يومان ونرجع، لا تأخذي غير أربعة أرغفة، ودعي باقي الخبز. رأيت أيضاً تلك العائلة الوديعة عائلتي التي انطلقت باتّجاه الكروم بحثاً لها عن مكان آمن يقيها قذائف الموت التي باتت تتساقط في كلّ مكان، أخيراً رأيت الحصان الذي صار يبكي، وصار كلّما مشى قليلاً يتوقّف، ليتلفّت وراءه، ويهمّ بالرجوع، وأبي يحاول تدليله، ثمّ خداعه، وحينما فشل كيف سدّد إليه لكمة قاضية ورماه في الجرف!

ماذا تفعل يا عزيزي؟ سألني قريبي، فصحوت من غابة التّخيّلات التي أشاهدها، قلت له: أنا أستحضر مشاهد الخروج. استغرب كلامي وقال: كيف يحدث ذلك وأنت لم تكن مولوداً؟ قلت له: سوف أذهب في أحلامي إلى ما هو أبعد، لديّ مشروع في أن أقبض على الماضي الهارب، أي بدلاً من متابعة التفاصيل المعاصرة أذهب عكسيّاً في العمر لأطلّ على التّفاصيل الدّقيقة التي حدثت هناك في الخربة في الأربعينيّات والثلاثينيّات.

yousef.abdelazeez@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحلم (يوسف العواد)

    الأحد 27 أيلول / سبتمبر 2009.
    صحيح اننا في الوقت الحالي لا نملك القوة لاستعادة حقوقنا.ولكن علينا ان نحلم لان الحلم في يوم من الايام سيتحقق.تماما كما حقق الحلم الامريكي الذي بداه مارتن لوثر كنج و حققه الرئيس باراك اوباما بأن يدخل البيت الابيض رجل اسود.
  • »ذلك المقال الرائع (لينا خالد)

    الأحد 27 أيلول / سبتمبر 2009.
    ابكيتنا يا استاذ يوسف، وامطت اللثام عن جرح نحفيه في نفوسنا منذ ان جئنا الى هذه الدنيا، هذا الجرح الذي يزورنا يوميا فنهرب منه ونتحاشى النظر الى عينيه، ونغرق في اعمالنا اليومية تجنبا لملاقاته، لقد فتحت كل ابواب العواصف في قلوبنا هذا الصباح