مقترحات لإصلاح السياسة المالية

تم نشره في الخميس 24 أيلول / سبتمبر 2009. 03:00 صباحاً

من السهل علينا تحميل مسؤولة العجز المالي الى العالم، ومن السهل أن نرتكز على الأزمة الاقتصادية العالمية لتبرير الركود والأزمة المحلية، ولفترات طويلة نأينا عن اتخاذ قرارات مالية صعبة لأسباب لا ترتبط بالوضع المالي بالدرجة الأولى بل بعوامل أخرى نظمت تاريخيا العقد الاجتماعي الذي يضبط العلاقة بين الدولة والمجتمع.

بعد مرور عام على اندلاع الازمة الاقتصادية  العالمية فإن تداعياتها  بدأت بالظهور، فالعجز الذي يتوقع أن يتجاوز 1.2 بليون دينار في جزء منه يعود الى الأزمة، ولكنّ جزءا كبيرا منه يعود الى السياسة المالية التي لم تلتزم بالسقوف والتي بنيت على توقعات غير واقعية، فكانت النتيجة الصعبة ارتفاع حجم المديونية ونسبة العجز.

وما يجري في الاردن ليس ظاهرة اردنية أو محلية، فمعظم الدول والغنية في مقدمتها لجأت الى السياسة المالية والتوسع في النفقات العامة في إطار مساعيها للحد من تداعيات الأزمة، وأدى هذا الى انفلات السياسة المالية والتخلي عن الكثير من القيود الكمية التي حددتها تلك الدول، والوقع الآن أن معظم الحكومات وجدت نفسها مضطرة للاستمرار في برامج الانفاق حتى لا تتعمق الازمة ، وهي لن تتكمن بسهولة من التخلي عن تلك البرامج لأسباب سياسية؛ لكن  من يدفع ثمن تلك البرامج ومن يتحمل تبعات العجز المالي؟

مجلة "الايكونوميست" في عددها قبل الأخير تناولت عددا من المعايير التي يمكن توظيفها لفرض قيود على الانفاق العام وضبط أداء السياسة المالية وإخراجها من حلبة التنافس السياسي، بعض تلك المعايير يمكن تطبيقها في الاردن حال التوصل الى توافق حول حدود السياسة المالية في ظل الازمة التي يتعرض فيها وزير المالية الى ضغوط متزايدة للاستمرار بالانفاق العام، والمعضلة في الانفاق العام ان من يتحمل تبعاته ليس بالضرورة الوزير الحالي، بل من يخلفه في المنصب، وهذا يجعل ضبط الأمور من قبل الوزير مسألة غاية في الصعوبة، والحال كذلك  فإن إحدى طرق تعزيز الثقة هي وضع السياسة المالية على قدم المساواة مع السياسة النقدية، عن طريق الاستعانة بمجالس مستقلة تملك صلاحية الحفاظ على الملاءة المالية لاتخاذ قرارات الميزانية. ولن يكون هذا سهلا. فليس لدى المصرفيين المركزيين سوى أداة واحدة، وهي أسعار الفائدة قصيرة الأجل، وأمامهم مهمة رئيسية، هي السيطرة على التضخم. إلا أن السياسة المالية أكثر تعقيدا بكثير.

فهناك أهداف متعددة تبدأ بالمعدلات الضريبية وتنتهي بمخططات الإنفاق. ويعتمد بقاء الوزير في منصبه على  الكيفية التي ينفق فيها المال ومدى ذكائه في فرض الضرائب. وهناك خيارات سياسية بطبيعتها. والإدارة المستعدة للالتزام بالقواعد المالية لن تستطيع أن تضمن أن تقوم الحكومات المستقبلية بالشيء نفسه. ويمكن نقل مسؤولية بعض عناصر السياسة المالية للتكنوقراطيين وإنشاء مجلس مالي لمراقبة الامتثال لاهداف الميزانية، بما يتسق مع عبء الديون المستقر أو المنخفض، ما يترك للسياسيين مهمة اتخاذ القرارات الضريبية وقرارات الإنفاق ضمن تلك الحدود.

أما العنصر الآخر فهو منح حق المراقبة لهيئة مستقلة وموثوقة، وهو أمر ضروري لضمان نزاهة الحكومات. والعنصر الاخير يتعلق بوجود  حسابات عامة كاملة وواضحة تشمل جميع التكاليف المستقبلية، مثل المعاشات التقاعدية ونفقات المشاريع الاستراتيجية.

من الواضح أن الاستمرار بإدارة السياسة المالية محليا على النهج الحالي نفسه يعني أن احتمال بروز الأزمات سيبقى قائما، وهناك حاجة لنهج جديد في الإدارة المالية على المدى المتوسط يعطي التخطيط المالي بعدا مؤسسيا ويخرج حسابات الموازنة من حسابات السياسيين قصيرة الأمد، وهناك خطوات لن تكلف الخزينة شيئا ولكنها تمنح السياسات المالية مصداقية باتت تفتقدها. 

التعليق