من يخاف فرجينيا حسين؟

تم نشره في الجمعة 11 أيلول / سبتمبر 2009. 03:00 صباحاً

 

بعد مرور نحو مائة يوم على تلك الإطلالة الأبانوسية الفارهة للصحافية السودانية لبنى أحمد حسين، حين كسرت هذه المرأة الذهبية بمفردها حاجز الخوف والصمت، وشقت عصا الطاعة على القبيلة، ها هي أخت السودانيين الأحرار تسجل أول إنجاز لها ولعموم شقيقاتها المغلوبات على أمرهن في عرض وطول هذه الرقعة الجغرافية العربية الواسعة، المسكونة بالقهر والقوانين الظلامية الجائرة ضد الفقراء والمهمشين من الرجال والنساء معاً.

وبشجاعة نادرة عز نظيرها، تمكنت "فرجينيا وولف السودانية"، لنحو مائة يوم، من إبقاء الشعلة التي أوقدتها بنفسها مضيئة، وسط رياح سموم عاتية كانت تهب في ليل النساء الطويل، وقدمت بوقفتها الجريئة هذه قدوة قابلة للاحتذاء والتمثل لأخريات من بنات جنسها، استأنسن في أنفسهن القدرة على دق جدران الخزان الداخلي بأيديهن العاريات، ورفعن من ثمة صوتاً جماعياً أخذ يعلو تدريجياً، ويتردد صداه في المدى العربي الأوسع، ضد أحكام الجلد وتقاليد الاستبداد والتمييز ضد النساء.

وليس من شك في أن لبنى وولف، التي ينبغي أن يخافها الجلادون والجلاوزة في كل مكان، امرأة من طينة صلصالية فاخرة، لديها إرادة قوية خلاقة، ومضاء ذاتي لا يثلم، الأمر الذي مكّن هذه المرأة الاستثنائية من حمل مسؤولية ريادية تنوء بحملها أكتاف رجال ونساء ديمقراطيين أحرار لا قبل لهم على حمل الراية وتقدم الصفوف الأولى، ومواجهة جبل هائل من القوانين والتقاليد والأحكام المسبقة، مما يؤهل لبنى بجدارة واستحقاق تامين لنقش اسمها بماء الذهب بين قلة قليلة من نساء هذه المرحلة العربية المكفهرة.

ومع أن معركة هذه الصحافية التي أشهرها بنطالها أكثر مما أشهرها قلمها مع الأسف، ما تزال معركة طويلة، لم يُكتب بعد في صفحتها الأولى غير سطر واحد أو أقل، فإن نتائج الجولة الأولى الرابحة تشير إلى أن هذه المنازلة التي تقاطرت إلى ساحتها قوى نسائية تقدمية ومؤسسات حقوقية من داخل السودان وخارجه، وتعددت جبهاتها واتسعت لتشمل قاعات وأرصفة شوارع وأعمدة صحف وشاشات تلفزيونات على امتدادات لا حصر لها، قد قلبت المعادلة لصالح الضحية المؤمنة بقدرة الكف على ملاطمة المخرز ولو بعد حين.

فبعد أن تمكنت "فرجينيا وولف" خاصّتنا من أبنتة بيئتنا الثقافية المترعة بالتمييز ضد المرأة، من الوقوف على رجليها ضد سلطة الكرباج وأحكامه الاستبدادية، وخطت خطوتين ثابتتين إلى الأمام في اتجاه يعاكس عقارب ساعة الخوف والإسكات والإخضاع الصارمة، بات السؤال الذي يطرح نفسه منذ تلك اللحظة: من يحاكم من، الجلاد أم الضحية؟ ومن يصرخ أولاً في لعبة عض أصابع متبادلة، بين صاحب فكين فولاذيين وصاحبة أضراس لبنية؟

إذ ما إن ارتخت قبضة سلطة شرطة الفضيلة السودانية، واعترت مظاهر الارتباك وجوه عسسها وقضاتها وحكامها ضيقي الأفق والصدر، حتى امتدت الحالة الإنسحابية ذاتها لتطال مرجعيات تسلطية أخرى، بما في ذلك شرطة الفضيلة الحمساوية، وهو ما بدا واضحاً بكل جلاء في تراجع ولاة السودان عن إنزال عقوبة الجلد بحق لبنى من ناحية أولى، وإلغاء شرطة غزة قراراتها العجيبة بفرض الحجاب على المحاميات والتبرؤ من قرار فرضه على التلميذات من ناحية مقابلة.

إزاء ذلك، فإنه يمكن القول إن شجاعة امرأة واحدة، امتلكت الوعي والعزم والصبر على خوض معركة شاملة بالنيابة عن بنات جنسها، كانت كافية لإيقاد شعلة متوهجة في ليل سوداني بهيم، والتبشير من ثم بفجر نهار ساطع يفيض بأنوار الحرية والديمقراطية والمساواة على مديات أبعد بكثير، أي على سائر الأمصار والأصقاع التي تكابد فيها النساء صنوف الهوان والافتئات، وترغم الصغيرات على الدخول تحت الأسود الكثيف، وكسرهن بفظاظة، والعودة بهن خانعات خاضعات إلى عصر الحريم.

Issa.alshuibi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ممتاز (حمد)

    السبت 12 أيلول / سبتمبر 2009.
    القصه هي ان تخرج المرأة عن طور انها درجه ثانيه في المجتمع وعلي النساء الخروج والعمل لان هذا العصر عصر التطور الي الامام وعلينا محاربة الموروثات المتخلفه وافكار طيور الظلام
  • »سنة سيئة وسنة حسنة (yasser)

    الجمعة 11 أيلول / سبتمبر 2009.
    في ديننا الإسلامي الحنيف من استن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيمة ونفس الموضوع يطبق بالنسبة لسنة سيئة
    فالصحافية لبنى أرادت أن تكون أول سودانية تلبس بنطال وبالتالي أي سودانيةسوف تلبس بنطال بعدها سوف يكون أثمها مضاف إلى إثم هذه الصحافية الجريئةالتي لم تجد الشهرة بالقلم ووجدته بالبنطال (فعلا طريقة مبتكرة يعني في إبداع بالموضوع) وعلى كل حال أعتقد أن الشعب السوداني والمرأة السودانية خاصة أوعى من هذه القصة.
  • »أشد على يدي الكاتب (عزمي)

    الجمعة 11 أيلول / سبتمبر 2009.
    أشد على يد الكاتب وأنا معجب بإصراره على ضرورة إظهار محاسن ومفاتن المرأة.. لأن التخلف والعفة وجهان لعملة واحدة، ولا تتقدم المجتمعات إلا بالتعري ، ولا حضور للمرأة إلا بمقدار ما تظهر من جسمها ..
  • »عفوا....و مع الإحترام (عربي)

    الجمعة 11 أيلول / سبتمبر 2009.
    عجبا أمر العلمانيين!!!
    يجعلون من "بنطال لبنى" و "مانيكانات النوفوتيه" و "حجاب التلميذات".... هي قضايا الأمة العربية و يحصرون فيها قضايا التخلف و الظلم و الإستبداد في وطننا العربي.
    أود أن أذكر الكاتب الكبير بأن هناك مؤامرة علنية لتقسيم "السودان", بداية بدارفور. فالأولى أن نقف مع السودان و ليس مع أعدائه. و أذكره أيضا بالمؤامرة على الشعب الفلسطيني المتمثلة بالقضاء على حكم غزة لتصفية القضية الفلسطينية بالتعاون مع سلطة "دايتون".
    كما يقول المثل الفلسطيني "أنا و أخي على إبن عمي, و أنا و إبن عمي على الغريب", فمع من يقترح حضرة الكاتب الكبير, علينا أن نقف؟؟؟؟ أم أنه يقترح علينا أن نفتح فجوات داخل بلادنا لتكون منفذا لأعدائنا؟
    كما أذكر الكاتب الكبير أن "الموضوعية" تكون بسرد الحقائق و تحليلها و نقدها بأسلوب حيادي. أما اسلوب التجريح و الذم و التهويل و الميل لطرف دون الآخر و فرض الرأي على القراء, هو عكس الموضوعية.