د.باسم الطويسي

لماذا تحتكر الدولة القوة

تم نشره في الخميس 3 أيلول / سبتمبر 2009. 03:00 صباحاً

 

المبالغة في تقدير قيمة المقاطعة الشعبية لبعض السلع في مواجهة قوة الاحتكارات لا يمكن بأي حال من الأحوال ان تغطي حجم الفجوة التي أحدثها غياب مؤسسات الدولة الرئيسية في تنظيم السوق وضبطه تحت ذرائع لا تتفق مع تقاليد السوق الرأسمالية التي تواجه الاحتكارات بصرامة، ولا مع مبادئ سيادة الدولة، والأمر لا يتوقف على أسعار بعض السلع الغذائية في رمضان وفي مقدمتها احتكارات اللحوم التي أصبحت العناوين الأساسية لسوق الاحتكارات الى جانب عدد من السلع الاستراتيجية والأساسية وبعض الخدمات.

قبل ثلاثة أشهر نفذت الحكومة المصرية حكما قضائيا بحق مجموعة من مصانع الاسمنت التي احتكرت هذه السلعة في السوق المصرية وأرغمتها بحكم القانون وقوته على دفع ملايين الدولارات كمخالفات على ممارسة الاحتكار والتحكم بأسعار سلعة أساسية، على الرغم من ان السوق المصرية تعاني هي الأخرى من احتكارات عملاقة، إلا ان دور الدولة التنظيمي يحتاج الى أدوات القوة الحقيقية التي تكفل ضبطه.

الأمر الذي يفسر لماذا تملك الدولة وحدها القوة وتحتكرها، ولماذا يقر العقد الاجتماعي بين الدولة ومجتمعها هذا الحق في الاحتكار، أليس محاربة كل أشكال الاحتكار الأخرى هي مسائل في صلب الأمن الاجتماعي والوطني حيث يمكن  تفسير تفرد الدولة باحتكار القوة وممارستها بقوة القانون في مواجهة الاحتكارات الأخرى التي يمارسها السوق.

حينما تعلن الحكومة صراحة وبالأسماء العارية أسماء المحتكرين وتبقى عاجزة عن تحريك أي من أدواتها التي كفلها لها القانون، يبدو العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها في مهب الريح. وعلى الذين يتساءلون عن أسباب العنف الاجتماعي المتصاعد في المجتمع الأردني ان يراجعوا قدرات العديد من المؤسسات في حماية حقوق المواطنين أي قدرتها في ممارسة حقها في احتكار القوة.

إذا كانت الحكومات والمؤسسات الرسمية لا تقوم بواجباتها بحماية حقوق المواطن في الأكل والشرب والسكن فإن ذلك لا يعود لعدم رغبتها في القيام بهذا، بل الأمر في مجمله يرتبط بالكفاءة أكثر من الإرادة، ويعود الأمر في جانب مهم الى مسألة توزيع القوة في المجتمع.

المؤسسة الرسمية عودتنا ان تكون آخر من يدري وآخر من يتحرك، لم يتعلم المجتمع المدني بناء مؤسسات مدنية نابهة قادرة على حماية المستهلكين وعدم تركهم فريسة لقوانين لعبة السوق، المجتمع المدني الهزيل بأحزابه ونقاباته وإعلامه ومؤسساته الأخرى أصبح عبئا على المواطن أكثر من الحكومات، وكلاهما مؤسسات رسمية ومدنية؛ ينبطحان باسترخاء أمام لعبة سوق بدائية تتحدث عن الاندماج بالعولمة والتجارة الحرة، وأصدق من يفسر أزماتها القوانين الأساسية المبكرة لفائض القيمة الاقتصادية.

يجب ان نعترف، ونتعامل على أساس هذا الاعتراف، انه لم يعد يوجد في الأردن مزارعون بالمفهوم الفلاحي المعروف؛ إي الفلاح الذي يعاني من جور التاجر وقوانين السوق بموازاة المستهلك، يوجد في الأردن اليوم رجال أعمال يستثمرون في القطاع الزراعي وفي الحيوانات والبشر، يزرعون ويصدرون في الغالب، ومزارعون صغار يبيعون منتجاتهم بأسعار زهيدة للتجار، ثم تباع للمستهلك بمعدل يصل الى أربعة أضعاف وهذا ما يفسر الطفرات الاجتماعية.

بعيداً عن الجدل حول العائد الاجتماعي للخصخصة واولوياتها، وبعيداً عما يمكن أن يباع وما لا يمكن أن يباع، فإن السؤال الأردني المهم في هذا الوقت؛ كيف تحافظ الدولة على قوتها وأن تبقى متماسكة، وأن لا تتحول الى مجرد أداة في يد سوق معزولة عن المجتمع؛ هذه هي المشكلة، بدلاً من أن تكون السوق كما هو الأصل أداة تعمل لصالح المجتمع.

Bassim.tweissi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »But..was I responsible for that??? (lourance Al Hadid)

    الخميس 3 أيلول / سبتمبر 2009.
    In part, I do agree on the comments and the essay. However, the main issue is that such weakness could also be interpreted in terms of conspiracy and power. Some of those in the government should have been involved, in any manner, with whats happening in the market. With all the ignorance in the world, one minister comes up and tells us that, for instance, the meat price in Jordan is less than in the surrounding countries. This is the type of demeaning behavior to our mental capacities is utterly the usual outcome of the government. Till the time comes and we choose our rep.s, we will be treated with this manner by them.
  • »قوة الدولة بقوة القانون!! (محمد النسعة)

    الخميس 3 أيلول / سبتمبر 2009.
    اتفق مع الدكتور بما جاء فيه و اقول إن تطبيق القانون، وعدم المحاباة، والمجاملة قد يكون حلا للكثير من المشاكل التي يواجهها مجتمعنا اليوم.. ومثلما هذا الأمر مطلب ملح من الجهات الضبطية والقضائية، فإنه كذلك من كافة المسئولين والشخصيات المتنفذه بأن تحترم إرادة القانون ولا تتدخل في شئون القضاء، وهو مطلب ملح أيضا منا كمواطنين بأن ننصاع للقانون، لأنه هو القوة الحقيقية التي تكفل لنا حقوقنا، وتضمن أمننا وسلامة مجتمعنا، وتحمي دولتنا من الفتن والمؤامرات.
    ومن هنا يمكن القول أن قوة الدولة هي بقوة القانون، وقوة القانون مرهونة بقوة الوعي المجتمعي، وفاعلية القوى الوطنية في غرس الثقافة القانونية كأحد مظاهر المجتمعات المتحضر ولا يمكن أن نعتبر البطش والاستبداد معياراً للقوة.
    وشكرا
  • »احتكار الدولة للقوة (د. محمد حسن سليم العمري)

    الخميس 3 أيلول / سبتمبر 2009.
    أتمنى دائما التركيز على موضوعات قدرة الدولة على القيام بواجباتها نحو والمجتمع ونقد ذلك. لاأوافق الدكتور باسم على أنه إذا كانت الحكومة والمؤسسات الرسمية لا تقوم بواجباتها في حماية حقوق المواطنين فإن ذلك يرتبط بالكفاءة قبل الإرادة ولكني أوافقه إلى أن ذلك يعود في جانب مهم إلى توزيع القوة. والخلل هنا في توزيع القوة والنفوذ والهيمنة في مؤسسات الدولةإذا أردنا أن نعرف أسباب الفساد واحتكار السلع وما شابه ذلك.