أنقرة وغياب الشريك الكردي في إيجاد الحل

تم نشره في السبت 29 آب / أغسطس 2009. 03:00 صباحاً

السياسة الكردية في تركيا ليست متشددة بل هناك طيف معتدل يشمل مراكز قوى مؤثرة يمكن لأنقرة أن  تتخذها شريكاً في عملية الحل

تواصل حكومة رجب طيب أردوغان، بحماس، مشاوراتها السياسية الخاصة بإيجاد حل سلمي لمعضلتها الكردية التي فاقت أكلافها الدموية، منذ عام 1984، نحو 40 ألف ضحية. في إطار المشاورات، تحدثت الحكومة بشكل مباشر الى أحزاب المعارضة وكبار ضباط الجيش وصحافيين وإعلاميين أتراك، إضافة الى عائلات ضحايا الحرب ضد حزب العمال الكردستاني. كما كشفت تقارير صحافية تركية أن أنقرة تحدثت أيضاً الى إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما والحكومة العراقية باعتبارهما طرفين معنيين بالشأنين التركي والكردي.

الأكيد أن هذه المشاورات تحمل قدراً كبيراً من الحكمة وتصبّ في الاتجاه الصحيح. لكن المشكلة أن أنقرة، رغم حماسها للاستماع الى كل ما من شأنه إغناء فكرة التعامل مع الخيارات السلمية الخاصة بالمعضلة الكردية، إلا أنها تبدو في حالة عدم اكتراث بحديث أساسي مؤداه محاورة المجتمع المدني والثقافي والسياسي الكردي وعوائل الضحايا الأكراد. كما تبدو غير معنيّة بإيجاد شريك سياسي كردي فاعل لتتحمل معه مسؤولية البناء السلمي. إن تجاهلاً كهذا قد يضع موقف أنقرة السلمي أمام عثرات حقيقية.

في الواقع، امتلكت المؤسسة العسكرية التركية في الماضي شريكاً كردياً لخياراتها العسكرية تمثل في حزب العمال الذي لا يقل في تشدده عن الجيش التركي. هذه الشراكة لعبت دوراً فاعلاً في إدامة عجلة الحرب في البلاد لنحو ربع قرن. لكن الغريب أن المؤسسة السياسية التركية تضع خطوتها الأولى على طريق حل سلمي للمعضلة الكردية من دون إشراك التيارات المعتدلة وسط الأكراد في العملية. هذا رغم ازدحام الساحة بشخصيات وأحزاب كردية مستعدة للانخراط مع أنقرة في مساعيها السلمية.

من دون شك، ليس القصد من هذا الكلام اتخاذ زعيم حزب العمال المعتقل في جزيرة إيمرالي عبدالله أوجلان شريكاً في تلك المساعي. فالرجل ليس لديه ما يعطيه. كما أن جهات كردية عدة تتفق مع أنقرة على ضرورة عدم التوقف عند المشروع الذي ينشغل بإعداده حول الحل. لكن جزيرة إيمرالي ليست نهاية العالم. إذ هناك آخرون يمكن لأنقرة أن تستأنس بآرائهم وتبني معهم شراكة سياسية هادفة الى إيجاد الحل المنشود.

في هذا المضمار، تصح الإشارة الى النائبة الكردية السابقة ليلى زانا التي تحظى باحترام واسع بين الأكراد وتحمل قدراً لافتاً من الاعتدال والإتزان السياسي. وهناك أحمد ترك زعيم حزب المجتمع الديموقراطي. معروف أن هذا الحزب الموالي للأكراد يمتلك 20 مقعداً في البرلمان التركي رغم أن المحكمة الدستورية تلاحقه بتهمة تأييد حزب العمال. الى هذا، هناك المحامي الكردي حسيب قبلان الذي تولى الدفاع عن فلاحين كرد طردتهم الحكومة التركية من قراهم قبل أعوام في إطار مشروعها الإروائي ، سدود غاب، على نهر الفرات.

الى هذا كلّه، هناك الزعيم الميداني لحزب العمال في جبال قنديل مراد قره إيلان الذي يعرف عنه هدوؤه وأفقه الفكري المتمدن ودراسته الأكاديمية وحرصه على حل المعضلة الكردية سلماً. معروف أن قره إيلان لم يسمح للدول المحاورة، إيران على سبيل المثال، بالتدخل في شؤون حزبه طوال الأعوام الماضية. كما حظر على المنظمات الإرهابية دخول مواقع حزبه في الجبال الكردية والتركية رغم جهود بذلتها هذه المنظمات لاختراق تلك الجبال وتحويلها الى نقطة انطلاق جديدة ضد تركيا وأميركا والعراق.

منتهى القول إن السياسة الكردية في تركيا ليست متشددة، أو منقادة دائماً لعقلية أوجلان. بل هناك طيف معتدل يشمل مراكز قوى مؤثرة داخل حزب العمال وخارجه، بل حتى تحت قبة البرلمان، يمكن لأنقرة أن تتعامل معها وتتخذها شريكاً في عملية الحل. أي تجاهل للمعتدلين الأكراد في هذا الخصوص قد يصيب العملية بفشل مؤلم.

التعليق