المشروع الإصلاحي ... والعنف الأردني

تم نشره في السبت 29 آب / أغسطس 2009. 03:00 صباحاً

المجتمع المتطورهو المجتمع القادر على اجتراح حلول إصلاحية لإشكالياته التي يواجهها في مختلف المجالات

ما يحدث في الأردن من حالات عنف كالقتل والانتحار والمشاجرات، يؤشر بصورة متصاعدة على أن المجتمع يمر بحالة من انعدام الوزن أو أزمة حقيقية تتعدى الأحاديث المتزنة التي تحاول مقاربة الحالة بهدوء، فالأردنيون غاضبون بصورة غير معهودة، ويمارسون غضبهم من دون رقيب ومن دون انتباه لما يمكن أن يحدثه مثل هذا السلوك حين يتراكم ويتحول إلى ظاهرة، وفي ذات الوقت تبدو الدولة غير قادرة على ابتكارالحلول، وجاهزة فقط لمحاولة التدخل البطيء وغير الفعال حين وقوع  المشكلة، ماالذي يحدث ... سؤال يحتاج إلى بحث وإجابة صادقة.

للتقدم والتطور تستخدم شعارات تحمل مفهوم السير إلى الأمام، ولكني أعتقد أني سأخالف كثيرين إذا ما كانت دعوتي هي "قف ... وانظر للخلف" إذا ما أردنا أن نتقدم بصورة مدروسة تمنع تقهقرنا للخلف في لحظة مفاجئة، فكثيرة هي المشاريع الإصلاحية التي حاولنا إنجازها خلال السنوات الماضية، ولكن هل تحقق الإصلاح على أرض الواقع، وهل تحولنا بتركيبتنا المجتمعية إلى مجتمع إصلاحي؟

فالإصلاح صار عنواناً لكثير من المشاريع والمحاولات والبرامج، وتحول إلى وسيلة لتحصين أي تصور أو برنامج أو خطة، فبمجرد سبغ وصف الإصلاح على ما سبق يصبح من الصعب التعرض له لأنك ستبدو وكأنك تهاجم فكرة الإصلاح بحد ذاتها، ولكن الأثر السلبي أنذ فشل أي مشروع يسبغ عليه وصف الإصلاحي يؤشر إلى فشل مشروع الإصلاح نفسه.

ورغم كثرة التصورات والشعارات الإصلاحية في الأردن إلا أن المعارك الإصلاحية الحقيقية في الأردن تهزم أمام جيش من اللاإصلاحيين الذين يحشدون قواهم لمواجهة كل تحرك إصلاحي حقيقي، لدرجة أننا نخال أن الأردن قد صار خالياً من إصلاحيين حقيقيين. وعرابو الإصلاح ليسوا سوى أشخاص أدركوا بفطنتهم وذكائهم أن الإصلاح هو "الموضة" السائدة فقاموا بمماشاتها بحرفية ولكن من دون إيمان بفكرة الإصلاح نفسها.

فالإصلاح السياسي المتعثر والمترافق بإصلاح اقتصادي صوري ليسا هما نقطة البدء بالإصلاح أساساً ـ وربما هذا سبب إخفاق الإصلاح أردنياً ـ فالإصلاح ليس مجرد فكرة يمكن تجميلها لتسويقها، بل هو عملية جدلية مستمرة من بناء وهدم يفرزها المجتمع ذاته بـعد أن يتطور هذا المجتمع بأفكاره وأدواته، ونرى إفرازاتها سياسياً واقتصادياً، لأن المجتمع المتطور هو المجتمع القادر على اجتراح حلول إصلاحية لإشكالياته التي يواجهها في مختلف المجالات.

كل ذلك بالإضافة إلى بعض محاولات خفية للإصلاح الاجتماعي اعتمدت إحدى نظريتين، الأولى هي نظرية التعرض، والتي من خلالها تم تعريض المجتمع الأردني إلى أنماط حياة خارجة عن مألوفه وساعد عصر التقنيات العالية ـ من إنترنت و فضائيات ووسائل اتصال ـ في ذلك، على أساس أن المجتمع قادر على التأقلم مع الجديد استناداً إلى مبدأ الملاءمة، أي أخذ ما يلائم المجتمع ورفض مالا يلائمه، ولكن ذلك يعتمد بالأساس على مدى قوة الجهاز المناعي المجتمعي والتي لم تكن كافية لدينا فصرنا نرى ظواهر وأمراض مجتمعية.

أما النظرية الثانية التي حاول البعض وضعها موضع التنفيذ فهي محاولة إعادة إنتاج وتركيب "الجين الاجتماعي" الأردني وهو أمر فشل حتى الآن فشلاً ذريعاً ولم تثبت قدرة هذه النظرية على إنجاز حالات ملموسة على أرض الواقع.

ما نقرؤه ونشاهده ونسمعه يومياً من حالات عنف وغضب مجتمعي يؤكد أن الأردنيين لم يلمسوا حدوث نقلة إصلاحية وصاروا عوضاً عن التقدم إلى الأمام معلقين في الهواء، وكل محاولة إصلاح وهمية أو غير صادقة تبعدنا عن الإصلاح أكثر لأنها تخسرنا المصداقية الضرورية لإحداث الإصلاح المنشود، فلنبدأ من النقطة الأصعب ولكنها الأصح أيضاً، لنبدأ من الإصلاح الاجتماعي الذي بدوره سيكون أرضاً غنية للإصلاح السياسي و الاقتصادي.

roumanhaddad@yahoo.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »من شب على شيء شاب عليه (ابو السعود)

    السبت 29 آب / أغسطس 2009.
    هذا العنوان مقتبس من تعليق الاخ ناصر عبيدات له التحيه ولكاتبنا رومان حداد خالص الشكر على مقاله.
    ان المشاجرات الجماعيه والعشائريه هي مظاهر لسلوك غير قويم من ضمن سلوكيات اخرى يوميه وتتلخص بعدم التسامح والانانيه اضف الى ذلك الغش والكذب والتراخي في العمل ... الخ
    وبرأيي ان المدارس فشلت في غرس القيم الاخلاقيه في الطلاب بل قد تكون قد عززت التوجهات الضاره وقد آن الاوان لعمل شيء جذري ولنبدا بتعليم الاطفال التسامح مؤكدين على ان التسامح ليس ضعفا بل ثقه بالنفس .وأقول هنا المدارس لاني ارى ان البيت -عموما- لا يعطي الوقت الكافي للطفل واحيانا تكون التنشئه على نمط " اضرب والطش ودير بالك على ابن عمك وخالك "
    ان التصدي لتراجع المنظومه الاخلاقيه اهم من التنميه السياسه "على سبيل المثال " ولا ننسى ان هذه الممارسات السلبيه موجوده دوما لكن الاعلام الحديث ينقلها "على الهواء"وبدايه العلاج تكون من اجهزه الدوله ذات العلاقه
  • »بحاجه لتفعيل مدرسة الانتماء والتسامح وحب الوطن (nasser obeidat)

    السبت 29 آب / أغسطس 2009.
    شكرا للكاتب السيد رومان جداد على مقاله عن ظاهرة العنف في الاردن وهنا لي اضافه....

    في المدارس اليابانيه يبدأ اليوم المدرسي طلابا ومعلمين بواجب روتيني هو تنظيف المدرسه بكافة فصولهاوذلك بتعميق الصله بين الانسان والنظافه كواجب مبدئي ووطني يمارسه في المدرسه وكل مناحي حياته فمن شب على شيء شاب عليه وهناك فضائل سلوكيه يمارسها الطلاب كان ينحني احتراما لاساتذته اذا مر امامهم والاعتذار عن اى هفوه لزملائه اذا صدرت وتثمين اى بادره تنم عن ذوق عام ولذلك بقي البابانيون امة تحتفظ بتقاليدها البسيطه والعريقه رغم التقدم الصناعي والتكنولوجي المذهل ...

    وفي بلجيكايحضر الاطفال للمدرسه وكانهم ذاهبون الى جنة هادئه لاتسمع فيها لاغيه يتعلم الاطفال منذ صغرهم السباحه وركوب الخيل وزيارة الحدائق العامه وجميع المرافق العامه ليعرف عن كثب كيف تجرى امور الحياة وما هي مؤهلاتها لكي يعوم وسط تيار الحياة غارسين بانفسهم ثقة عالية بالنفس في انتماء لبلده الذى حقق له ذلك

    لماذا اقول هذه المقدمه اقولها لان مثلنا العظيمه التي نقرأها في الكتب لانمارسها بالفعل اليومي لكي نعتاد عليها دستور عمل وحياة ففي مدارسنا الابتدائيه وكذلك الثانويه والجامعيه هناك مشاجرات عنيفه بين هذا وذاك والمحيطين بهم اكثر ما يهمهم من انتصر.. واعود للقول من شب على شيء شاب عليه

    ولكن بطريقة التجربه والخطا في علم الرياضيات لا يمنع الحال من وجود طلبه طيبين بالتكوين والحس التربوى المنزلي غير ان القاعده التربويه للاسف مختله ومؤلمه فتتواتر الاحوال وتتفاقم عند الكبر

    ذات مره حضرت طوشه بين اناس رعاع لهم جسم الانسان وعقل الحيوان يقول اجدهم للاخر والله اذبحك ذبح الشاه ومداك صحن تبن !!

    اى ان دية المقتول لو توزعت على افراد عشيرته لكان نصيب كل منهم في الديه ما قيمته صحن تبن !!

    لاحول ولا قوة الا بالله .. بالله كم نحتاج لتفعيل قيمنا الاسلا ميه العربيه الاصيله للحد الجنوني من فوضى الشجار الذى يقتلعنا من جذورنا

    شكرا لاسرة التحرير وللكاتب لهذه الاضافه لتفعيل فضيلة التسامح والحب الكبير الذي يلتقي الايمان الاعظم .. الايمان الحقيقي بالله جلت قدرته !
  • »نتيجة (هلا زيد)

    السبت 29 آب / أغسطس 2009.
    الوطن يدفع ثمن تغير قانون انتخاب 1989 وتعطيل الاصلاح السياسي والتضيق على طلاب الجامعات بالعمل الاجتماعي والسياسي لصالح العشائرية التي اصبحنا نرى نتائج الصوت الواحد في كل مكان واولها بالجامعات حيث غاب العقل وحضرت الايدي والحجارة!