فعلها الأردنيّون: "مكتوب العرب"

تم نشره في السبت 29 آب / أغسطس 2009. 03:00 صباحاً

نلمس في صفقة "مكتوب" أنّ البُعد المحلي في العولمة فرض ذاته، وأننا قمنا بتأثير إيجابي في العولمة

في بيت من بيوتات عمّان الحجرية الكلاسيكية القديمة الجميلة، على الدوّار الثاني، بدأت قصة "مكتوب" عام 1997، وبعدها كبر المشروع وانضم له مستثمرون عرب،  وتحولت القصة الأسبوع الماضي إلى أفضل قصة نجاح عربية للإنترنت العربي، عندما أُعلن أنّ "ياهو" العالمية اشترت (مكتوب. كوم)، بعشرات ملايين الدولارات.

عنوان مقالي هذا وبعض معلوماته جاءتني عبر موقع "الفيس بوك" بواسطة مدونة أحمد حميض (east 360 )، الذي كآخرين كُثر، بدأت علاقتي معهم على "الشبكة" ثم تحولت للقاء حقيقي واتصالات في شؤون مختلفة. وقد نشر أحمد تفاصيل جميلة ومهمة عن مكتوب وعن مشاريع أخرى مثل مجلة BYTE، ويكتب أحمد باعتباره واحدا من جيل روّاد كانوا قبل نحو 15 عاما جيلا يافعا، لديهم الكثير من النشاط والأحلام، ولديهم (شعر أكثر على رؤوسهم)- كما يقول. وأحمد مستاء من محدودية اهتمام الصحافة الأردنية بالقصة، وتركيزها على قضايا مالية أخرى تكشف عدم إدراكها مغزى الخبر الذي كان على الصفحة الأولى في صحيفة فايننشال تايمز، أهم صحيفة عالمية – برأي كثيرين. ويقدّم لنا محرك "جوجل" للأخبار (حتى صباح الجمعة) 1110 قصص في كبرى صحف ومجلات العالم، مثل وول ستريت جورنال، وواشنطن بوست، وفوربس، وغيرها عن القصة.

تثير هذه الأخبار الكثير جدا من الأفكار السياسية والاجتماعية والشخصية. فإذا كانت منطقة الدوار الثاني قبل نصف قرن بمثابة ضاحية راقية نائية نسبيّا سكنتها عائلات عمّان القادمة من مدن الضفتين ومن دول الجوار لتشكّل المجتمع العمّاني الأردني الثري بتنوعه وحيوتيه، فإنّ حقيقة أنّ أبناء هؤلاء حولوا بيوت الطفولة، (بعد أن انتقلت العائلات لضواحي جديدة أكثر رقيّا)، إلى نقطة انطلاق لقصص نجاح جديدة، سطرها  الباحثون عن النجاح والتميز. وبالاعتماد على الذات يراكمون ما أنجزت الأمهات والآباء، ولكن ليس اعتمادا سلبيًا قائما على وراثة المكسب والمنصب، بل بوراثة الريادة والاجتهاد.

أعترف أني لا أفهم بدقة التفاصيل التكنولوجية والمالية في خبر "مكتوب"، سوى أنّها قصة نجاح لشركة سمعت عنها أول مرة أثناء وجودي في أوروبا نهاية التسعينيات، من صديق عربي قادم من عمق ريف بلده، سعيد بوجود بريد إلكتروني يمكن له أن يكتب عليه بالعربي بطريقة متطورة تسمح لأصدقائه الريفيين البسطاء في قريته أن يقرؤوا ما يكتب، حيث لا يتقنون سوى العربية.

إحدى دلالات هذه القصة الكثيرة، هي أنّ البُعد المحلي في العولمة فرض ذاته، وأننا قمنا بتأثير إيجابي في العولمة، فاضطرت الشركات الكبرى أن تبحث عن شبكات ومجتمعات إنترنت محليّة. وكما قالت "فوربس" وجدت "ياهو" في "مكتوب" ملجأ في الشرق الأوسط. وجوهر نجاح "مكتوب" هو استخدام اللغة العربية في عملها، في محاولة رائدة لتخطي حقيقة أن الـ320 مليون عربي لم يقدموا بلغتهم سوى 1% من محتويات شبكة الإنترنت. إذا "ياهو" تشتري "مكتوب" ونقطة قوة الأخيرة هي اللغة العربية، إذا هذا انتصار للغة العربية.

نقطة أخيرة فيها أمل مشوب بالحسرة. فقبل سنوات تابعت عن قرب قصة أردنيين وعراقيين يعكفون على تطوير جهاز وبرنامج كمبيوتر لأغراض طبية، يؤدي نجاحهما لثورة طبية كبرى في مجال أمراض القلب. وكانوا ينفقون بسخاء عليه، ولكن السيناريو الذي كان يلوح بالأفق أنّهم إذا نجحوا فسيبيعون الاختراع لشركة كبرى عالمية. من الجيد أن مخترعينا ومفكرينا ومبدعينا موجودون ولم يستسلموا، وأنهم يصنعون على الأرض شيئا تسعى له الشركات العالمية ويخدم البشرية، والحلم أن تزيد الحالات وتصبح ظاهرة، والحلم أن لا نبيع يومًا ما نبدع، بل أن نستثمره بأنفسنا إلى النهاية.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مكتوب بيع بأبخس الأثمان (مكنوبين ومهندس)

    السبت 29 آب / أغسطس 2009.
    أنا في رأيي بيع الموقع بأبخس الأثمان هكذا وبدون أن يستشير مديره أعضاء الموقع حركة غير مقبولة والله..بس الفلوس بتغير النفوس يا طوقان
  • »نجاح باهر (محمد)

    السبت 29 آب / أغسطس 2009.
    لدينا القدرات ونستطيع, المشكلة ان خبر كهذا شغل القنوات الاعلامية العالمية لم يلق بالا من قبل اعلامنا, نجاح باهر وعظيم تخطى بعائده المادي والمعنوي ابرز المشاريع التي اقيمت لم ينل اي التفاته لا من الاعلام ولا من المسؤولين,وبقي معظم اعلامنا مشغول بصراعات السياسيين والمسؤولين لا بل وبعضهم بابتزازهم , كل امنيات التقدم والتوفيق للقائمين على الموقع وكذلك لكل المبدعين في وطننا الحبيب
  • »إبداعنا ليس له حدود (خلود)

    السبت 29 آب / أغسطس 2009.
    نعم .. إبداعنا ليس له حدود، فمكتوب هي أحد أوجه هذا الإبداع والتميز في العالم العربي، وإن كانت مكتوب قد حظيت بفرصة ذكر اسمها على مواقع عالمية وحظيت باهتمام العالم "ما عدا العالم العربي للأسف" ، فإن غيرها من النجاحات لم يكتب لها حتى أن تنشر في صفحات الوفيات سواء على صفحات الجرائد المحلية أو العالمية. إن الإبداع العربي موجود ومميز ولكنه مقموع ومهمش للأسف، وصحفنا العربية لا تبحث أبدا عنه بل تبحث عن زواج الفنانة فلان أو طلاق الفنان فلان، فهذا ما تسجله معظم صحفنا. نتمنى أن نرتقي لمستوى الصحافة الجيدة والباحثة عن الحقيقة والابداع والثقافة، وأن تملأ عقولنا قبل بطوننا. كل الشكر دكتور على هذه المقالة المميزة والتي تلق الضوء على موضوع هام للغاية
  • »الإيمان أن مقومات النجاح موجودة (خالد السلايمة)

    السبت 29 آب / أغسطس 2009.
    أسعد الله أوقاتك أخ أحمد,

    نعم أنا معك أننا في الأردن لدينا مقومات للنهوض في مختلف المجالات, و لكن المشكلة هي في الثقة بالنفس و إتقان العمل. فالمدارس و الجامعات و المعاهد منتشرة و الناس تسافر و تتعلم في أفضل الجامعات و تعود بسبب الإستقرار الموجود فيكون الناتج هو قصة نجاح مثل "مكتوب". و إذا ما نظرنا في الأردن بعمق أكثر و تأمل إلى مقدراتنا فإن لدينا الكثير الذي نستطيع أن نقدمه لجعل الأردن في الطليعة. أمنى أن نرى قصص مثل مكتوب أكثر و أكثر في القريب المنظور إن شاء الله.