العجز ليس مسؤولية "المالية" وحدها

تم نشره في الخميس 27 آب / أغسطس 2009. 03:00 صباحاً

تراجعت المساعدات الخارجية والإيرادات الضريبية، فيما استمرت النفقات على ما هي عليه، والنتيجة عجز كبير في الموازنة العامة للدولة يتوقع أن يتجاوز مبلغ 1.2  بليون دينار، وهذا الرقم مدعاة للقلق ويجعل البحث عن بدائل أولوية، ولكن هل يمكن تحميل وزارة المالية وحدها وزر هذا التراجع. في الحقيقة من المجحف تحميل "المالية" وحدها ما يجري، فالمالية ليست هي التي تحدد ايقاع الاقتصاد الوطني ونسب النمو، ومن يعتقدون بأن إدارة المالية العامة هي المسؤولة عن هذا العجز عليهم النظر الى هيكل الإنفاق العام.

فهذا الهيكل جامد في بنوده، فالرواتب والأجور، ونفقات التقاعد وخدمة الدين الخارجي والداخلي تشكل أكثر من 80 في المائة من النفقات، فهل يستطيع وزير المالية بقرار تخفيض تلك النفقات؟ وماذا ستكون تداعيات مثل ذلك القرار لو تم اتخاذه ؛ ونحن نعلم أن مثل هذا القرار لن يتخذ، لكن المعضلة أن العجز لا يمكن ان يستمر على نفس الوتيرة، وهنا لا بد من بحث السيناريوهات الممكنة لموازنة العام 2010  وما بعدها.

اللجوء الى الاقتراض لا يشكل مخرجا أيضا لأنه يعني تأجيل الأزمة، وحتى الآن لم يطرح أحد بدائل أمام وزارة المالية للتعامل مع العجز، ومع اتفاقنا أن هذه مسؤولية وزارة المالية بالدرجة الأولى، إلا أن المالية وحدها لن تكون قادرة على حل المشكلة، فالسياسة المالية التوسعية كانت مطلبا في ظل ظروف الأزمة المالية العالمية لتجنب الركود، لكن هذا التوسع لم يفلح كثيرا في تجنيب الاقتصاد حالة التباطؤ التي يمر به خصوصا في ظل سيادة نزعة نحو الاستيراد تجعل من التوسع في الانفاق العام تشجيعا بصورة غير مباشر على الاستيراد، فما هي البدائل الممكنة؟

تعديل قانون ضريبة الدخل رغم الخلاف على بعض مواده كان خطوة في ذلك الاتجاه، إلا أن تلك المحاولة أجهضت ولم ترَ النور، والحديث عن "قانون الاغنياء" وضريبة البنوك طغى على كل الامور الايجابية الاخرى  التي وردت في القانون، ولكن تعديل القانون بصيغة توافقية  يعتبر اولوية ملحة بعد تكشف انباء العجز، والاكتفاء برفض القانون ومحاربته ليس مخرجا من أزمتنا المالية.

في جانب النفقات لا بد من النظر الى مكونات الإنفاق الرأسمالي ووضع معايير واضحة لما يمكن أن يدخل تحت هذا البند، فوفقا لوثيقة الأجندة الوطنية فإن قسما كبيرا مما يذهب تحت هذا المسمى ليس رأسماليا، وهذا من البنود التي يمكن الاختصار فيها وتقييدها الى أبعد الحدود، أما النفقات الرأسمالية الفعلية فنقترح أن يتم ربطها بدراسات جدوى اقتصادية ضمن إطار مالي يغطي عدة سنوات، وهناك  الكثير من المشاريع متدنية الجدوى التي يمكن تأجيلها ضمن الظروف الحالية.

الاقتراح الثاني يتعلق بتعزيز الشفافية وايجاد حساب واحد لوزارة المالية يسهل تتبعه، وهو إجراء متبع في الكثير من الدول يوضح كيف دخلت الإيرادات وما هي أوجه انفاقها، وهذا يساعد في ترشيد النفقات ويوضح لدافعي الضرائب كيف يتم انفاقها ويشركهم في متابعة الانفاق.

أما أولويات الانفاق، وتطبيقا لمبدأ اللامركزية، فإن توسيع دائرة المشاركة في اتخاذ قرارات الانفاق وتحمل الأطراف مسؤولية القرارات التي يتخذونها تساهم في توسيع دائرة المسؤولية ولا تجعل "المركز" فقط هو المسؤول الأول، وهذا لا يمثل هروبا من المسؤولية بقدر ما يمثل توسيعا للمشاركة.

لا يمكن انكار وجود أخطاء ومبالغات في حسابات ايرادات الموازنة وتوقعات لم تتحقق، لكن مسؤولية العجز ترتبط بنمط استهلاكي عام  وخاص سائد منذ سنوات، ويجب على الجميع تحمل نصيبه من تقليص النفقات، فالهجوم على "المالية" من دون طرح بدائل لن يحل المشكلة، سيما واننا نهاجم من جهة ونطالب بزيادة الانفاق من جهة أخرى.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »bekh (شيخ الشباب)

    الجمعة 28 آب / أغسطس 2009.
    المطلوب دعم كاف للقطاع الخاص وبذلك يتمكن من خلق وظائف تخفف العبءعن الحكومة.. ومطلوب حكومة لا توظف كل اقارب النواب
  • »أين السياسة المالية والإقتصادية (عين الوطن)

    الخميس 27 آب / أغسطس 2009.
    نشكر السيد سيف على تعليقة الممتاز.

    نود أن ننوه بان قانون الضريبة يعتبر آلية لتطبيق سياسة إقتصادية ومالية. فأين السياسة الإقتصادية والمالية للحكومة والتي على أساسها تم تعديل قانون الضريبة؟ ولماذا لا يتم إعتماد شركات تدقيق مختصة حتى يتم تفنيد النفقات الرأسمالية حسب أنظمة محاسبية صحيحة؟
  • »الوضع خطير (youmna)

    الخميس 27 آب / أغسطس 2009.
    وضع المالية العامة وصل فعلا الى اللون الاحمر ولا بد من تقليص العجز بكل السبل الممكنة والا فصندوق النقد الدولي بانتظارنا لا بد من انهاء كافة اشكال الدعم للسلع الاستهلاكية وحتى وان كانت اساسية كالخبز والكهرباء واسطوانة الغاز وغيرها واستبدالها بدعم نقدي وللفئات المستحقة كما لا بد من وقف كافة اشكال التعيينات في الجهازين العسكري والمدني ولمدة سنتين او ثلاثة ريثما يتم موازنة الموازنة العامة وبغير ذلك فتجربة العام 1988 ما تزال ماثلة ولا يزال الكثيرون يتذكون مرارتها
  • »وزير مالية غير مالي (أبومحمد)

    الخميس 27 آب / أغسطس 2009.
    يتحمل المسؤولية رئيس الوزراء الذي عين وزير للمالية بدون أي خبرة سابقة في هذا المجال خاصة في منتصف الأزمة العالمية.
    يتحمل المسؤولية مجلس النواب الذي وافق على تعيين وزير بلا خبرة في مجاله.
    ثم يتحمله وزير المالية الذي رضا على نفسه التورط في وظيفة لا يفقه فيها.
    والخاسر في النهاية هو الوطن وشعبه فكما تعلمون طلبت الحكومة اليوم قرضا عاجلا من البنك الدولي بقيمة 300 مليون دولار مع أننا كنا في طريقنا لسداد جميع ديوننا في الأعوام السابقة.