بين مدارس الملك عبد الله للتميز و"الأقل حظّاً"

تم نشره في الاثنين 24 آب / أغسطس 2009. 02:00 صباحاً

نشرت الصحف اليومية بالأمس قائمة طويلة بأسماء مدارس في البادية "وذات ظروف خاصة" تشملها المكرمة الملكية بكوتا خاصة لدخول الجامعات الحكومية، درج الناس على تسميتها بـ"الأقل حظًّا".

هذه القائمة باتت سنوية، وتساعد على دخول مئات الطلبة، بصورة خاصة في القرى والمناطق النائية والمحافظات البعيدة، إلى الجامعات، ممن لم تتوافر لهم فرص تعليمية جيدة مكافئة لزملائهم في المدارس الحكومية الأخرى، فضلاً عن المدارس الخاصة التي تقدم بيئة تعليمية مختلفة تماماً.

بالرغم من ذلك، فإنّ "كوتا الأقل حظًّأ" تتعامل مع مخرجات المشكلة القائمة منذ سنوات، لا مع مدخلاتها. ولم تجر إعادة هيكلة لأوضاع تلك المدارس التي تعاني من نقص الكفاءات التدريسية، لرفع مستواها، وتحسين البيئة التعليمية، من خلال منح حوافر مالية ومعنوية حقيقية للكفاءات التعليمية، والحدّ من نسبة استنكافها عن التدريس في هذه المدارس.

الهدف من العملية التعليمية ليس نتائج امتحان الثانوية. والبيئة المدرسية هي أحد أبرز شروط الدخول إلى المستقبل، فهي حياة كاملة وتنشئة متكاملة للأجيال الاجتماعية المتتالية، من الناحية العلمية والتربوية والعقلية والجسدية.

فالحل لا يجوز أن يخُتزل في "كوتا" لدخول الجامعات، بل في تغيير كامل لهذه البيئة المدرسية، مما يسمح لأجيال الجديدة بإتقان المهارات المطلوبة وامتلاك البنية التحتية التي تؤهلهم للتفاعل مع روح العصر وما تخلقه من تنافس وفرص وتحديات، لا أن يكونوا عالة على الدولة ينتقلون من الأقل حظاً في المدارس إلى "الأقل حظّاً" في الجامعات.

مشكلة هذه الكوتا أنّها تؤثر على الجامعات أيضاً، فتضخ أعداداً كبيرة من الطلاب، لا يمتلك كثير منهم الكفاءات والمهارات المطلوبة في التعليم الجامعي، فينخفض بمستواه مع تعدد مصادر الكوتات، لتصبح نسبة مئوية مرتفعة من الطلاب قادمين من خارج باب القبول الشرعي الرئيس وهو المعدل والكفاءة والمهارات.

ما يحدث، إذن، في هذه الحال هو "ترحيل المشكلة" ومراكمتها من المدارس إلى الجامعات، وربما إلى سوق العمل لاحقاً، بدلاً من التعامل معها من جذورها وتحقيق العدالة المطلوبة لتلك المدارس التي تعاني من مشكلات في البيئة التعليمية ومن استنكاف الكفاءات التدريسية.

صحيح أنّ مشكلة التعليم تشمل أغلب المدارس الحكومية اليوم، وإعادة الهيكلة والإصلاح تتطلب خططاً على المستوى الوطني، إلاّ أنّ حالة المدارس في المحافظات والقرى والمناطق النائية تستوجب جهوداً استثنائية، لأسباب لها علاقة بضحالة الفرص الاقتصادية والتنموية في هذه المناطق، ما يجعل من ضرورة تخريج أجيال على كفاءة علمية ونفسية عالية متطلباً تنموياً وطنياً لردم الفجوة بين العاصمة وبين تلك المناطق.

مدارس الملك عبدالله الثاني للتميز بمثابة نموذج متقدم اليوم للتغيير، فهي مدارس خُصّصت لاستيعاب الطلاب المتميزين في المدارس الحكومية لمنحهم مستويات تعليمية وتأهيلية أكبر، وتنمية مواهبهم وقدراتهم، في عدة محافظات (السلط، الزرقاء، إربد، العقبة).

في هذا العام، تفوّقت مدارس الملك عبدالله الثاني بصورة واضحة على أغلب المدارس الخاصة، وحققت نتائج مبهرة في امتحان الثانوية العامة، وكان متوسط معدلات طلبتها في الثانوية العامة 92%.

المطلوب هو تعميم هذا النموذج من الرعاية الخاصة والحيوية لتشمل نسبة أوسع من المدارس الحكومية، ولنأخذ مساراً موازياً مع مجموعة من مدارس "الأقل حظاً" لتوفير بيئة صحية وتعليمية فيها، والنظر في مدى اختلاف مخرجاتها خلال السنوات المقبلة، ضمن خريطة شاملة للنهوض في التعليم الحكومي.

الاهتمام بالتعليم الحكومي ليس مسألة ترف، ولا قضية ثانوية في أولوياتنا الوطنية، بل هو استحقاق تنموي مستقبلي لتأهيل وتسليح الأجيال الصاعدة بسلاح المعرفة والقدرات والكفاءة ليتمكنوا من انتزاع فرص الحياة من فم العولمة ومتطلباتها التي لا تقبل اليوم "الأقل حظاً".

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »صناعة المدارس (مصطفى العمري)

    الاثنين 24 آب / أغسطس 2009.
    شكرا للكاتب محمد أبو رمان , أتسائل لماذا دائما المدارس الحكومية افضل بالرغم من توفر كل شيء في المدارس الخاصة من مدرسين أكفاء هل العملية التعليمية هنا ليست بالنسبة للأستاذ
  • »نسخة مكررة كل سنة و غير عادلة (قاري الجرايد)

    الاثنين 24 آب / أغسطس 2009.
    اعتقد ايضاَ يا أخ محمد ان تجميع الطلاب المتميزيين من المدارس الحكومية في مدرسة واحدة هو ايضا خطا لان ذلك يؤدي الى تفريغ المدارس الحكومية من المتميزيين اللذين يمكن ان يكونوا عونا و سندا لنظراءهم الغير متميزيين, و بالتالي يؤدي هذا الى دخول مدارس اكثر الى قائمة الاقل حظاَ. الملاحظة الاخرى هنا ان قائمة المدارس الاقل حظا هي نسخة مكررة كل سنة بنفس المدارس, مما يعني ان مصلحة هذه المدارس عدم التطور لانه بهذه الحالة ستخسر المقاعد الجامعية التي توفرها لطلابها ببقائها في عالم الاقل حظاّّ!!!!!