"إعادة النظر في قانون منع الجرائم"

تم نشره في الخميس 30 تموز / يوليو 2009. 02:00 صباحاً

تبعاً للنظرية القانونية التي تقول "إن القواعد القانونية المطبقة فعلاً في مجتمع معين وفي زمن معين هي وليدة الظروف الاجتماعية والأعراف والعادات السائدة في ذلك المجتمع وفي ذلك الزمن"، صدر في هذا السياق قانون منع الجرائم رقم "7" لعام 1954 على أنقاض قانون منع الجرائم لعام 1927 الذي وضع في ظل الانتداب البريطاني وما يزال القانون فاعلاً وقيد التنفيذ حتى يومنا هذا.

وبالرغم من وقوع بعض الانتهاكات على حقوق الناس جراء تطبيقه على مدى العقود الماضية ؛ فإنه وللانصاف قد لعب إلى حد ما في تلك الأيام دوراً في الحفاظ على السلم والأمن الاجتماعي عندما كانت جرائم الثأر والشرف والمواجهات العشائرية تشكل الدافع الرئيس لجرائم القتل والخطف، وكان للمتصرف في المناطق النائية عن العاصمة دور حيوي في الضبط والربط والحل والعقد.

إلا أن سنة التطور والتغيير لا تتوقف، فبعد مرور أكثر من نصف قرن لم يعد المجتمع هو نفسه ولا القيم والعادات هي نفسها، فقد قويت شوكة الدولة واشتد عضد القضاء، وتعاظمت قدسية الحرية الشخصية، وعلا صوت المنظمات الإنسانية الدولية المدافعة عن حقوق الانسان وحرياته، وأصبح لازماً على الدول المتحضرة أن تتبنى في دساتيرها وتشريعاتها الوطنية الكثير من النصوص القانونية المعززة لحقوق الإنسان وضمان أمنه، والحد من أية إجراءات تهدف إلى إذلاله والحط من كرامته، فالقوانين الوضعية غير ثابتة ولا تعرف الخلود فهي انعكاس للواقع الاجتماعي وهذا بدوره انعكاس للتطور التاريخي لمفهوم العقد الاجتماعي بين الدولة والمجتمع.

خمسة وخمسون عاماً من التغييرات في المفاهيم والثقافة القانونية المتعلقة بحقوق المواطن وحرياته وقانون منع الجرائم العتيد راسخ في منظومتنا القانونية كرسوخ أعمدة جرش وسكة الحديد التي بناها الأتراك. فما يزال الحاكم الإداري وللأسباب التي يراها يملك حق الاحتجاز والتوقيف وفرض الإقامة الجبرية على أي شخص وجد في مكان عام أو خاص بعد عجزه المتوقع عن تقديم كفالة الحاكم الإداري التي قد تبلغ عشرات الآلاف.

وقد فوّض القانون الحاكم الإداري صلاحيات قضائية غير خاضعة للطعن إلا أمام محكمة العدل العليا في العاصمة، وما يستتبع ذلك من مشقة لذوي الموقوفين في المدن الأخرى والقرى النائية المتضررين للانتقال إلى العاصمة، وتوكيل محامٍ لتقديم الطعن على القرار الإداري، ويستطيع الحاكم الإداري أن يقوم بدور القاضي والمدّعي العام ويحقق مع شخص لم يرتكب جرماً، ولكن وجـــوده طليقاً وحسب ما ارتأى الحاكم الإداري يشكل خطراً على السلامة العامة، ويملك المحافظ أن يستمع للشهود تحت القسم بحضور المحامين أو من دونهم وكما هو الحال أمام المحاكم النظامية التي يسهر على تطبيق القانون فيها قضاة حقوقيون ومؤهلون عملوا سنوات طويلة في المحاكم ودرسوا في المعهد القضائي وقراراتهم خاضعة للاعتراض والاستئناف، وشعارهم الرئيس "أن لا عقوبة ولا جريمة إلا بنص"، "وأن الشك يفسر لصالح المتهم".

صلاحيات الحاكم الإداري مفتوحة ولا قيد عليها سوى فطنة وضمير وعاطفة الحاكم الإداري غير المعصوم عن خطأ التقدير والحكم ، فالقانون يعوم على عبـــارات مبهمــة وتقـــديـريـة من أمثال " إذا امتنع المتصرف م/ 9"، "ويجوز للمتصرف م/ 7"، "وإذا كان لديه ما يحمله على الاعتقاد م/ 3"، "وإذا ارتأى المتصرف م/ 12 " هذه الصلاحيات المطلقة قد تجعل من الحاكم الإداري حاكماً بأمره. وفعلاً فقد ارتأى أحد الحكام الإداريين وضع شخص في المركز الوطني للصحة النفسية بناءً على اعتقاده أن هذا الشخص غير متمالك لقواه العقلية ، وأنه مخول استناداً إلى العبارات المطاطة بوضعه في مصح الأمراض النفسية، ولولا قرار محكمة العدل العليا التي قضت بإلغاء قرار المحافظ المذكور بالقـــرار فربما قضى الرجل نحبه مجنوناً (قرار محكمة العدل العليا رقم "19" لعام 1996).

وفي هذا مخالفة لمنطق التشريع القانوني وأسسه، فلا يجوز أن نولي أهم الحقوق التي يملكها الإنسان وعلى رأسها حقه بالحرية الشخصية والأمان وحرية التنقل وعدم الحجز والتوقيف - وهي حريات مصونة بالدستور الأردني الذي نفتخر به - إلا إلى القضاء المستقل مع توفير ضمانات المحاكمة العادلة والتي تنطوي على يسر وسهولة الطعن بقرارات التوقيف وفرض الإقامة الجبرية وإمكانية إقامة الدعوى بجرم حجز الحرية على الموظف العام.

قانون منع الجرائم قانون مرحلي أملته ظروف اجتماعية وتاريخية وقد استنفد الغرض الرئيس منه، وبتطور المجتمع الأردني ونضوج دولة القانون والدستور وعدم وجود حالة طوارئ وتبعاً لإلغاء الأحكام العرفية فإننا نرى أن الضرورة أصبحت ملحة لإعادة النظر بهذا القانون إما بتعديله أو إلغائه للأسباب المجملة التالية:

1. في عصر سطوة المنظمات الدولية المدافعة عن حقوق الإنسان المعززة لهذا المفهوم الإنساني المقدس؛ فإن وجود القانون بهذه الصورة أصبح ضاراً بسمعة الأردن ومؤشراً سلبياً في تقارير المراقبة الدولية الصادر عن منظمات حقوق الإنسان اتجاه دولة تحث الخطى نحو الريادة وتعزيز حقوق الإنسان ، والانتصار لحقوق المرأة والنهج الديمقراطي الذي نحاول أن نسلكه.

2. تداخل سلطات الحاكم الإداري مع سلطات القضاء، وما أزل أذكر وزملائي في القضاء عندما كنا نمنع محاكمة الظنين أو نصدر حكماً بالبراءة فيما يبقى رجال الضابطة العدلية متمسكين بوثاق ذلك الشخص بناءً على طلب الحاكم الإداري، ثم نفاجأ من ذويه بتوقيفه؛ لأنه لم يستطع توفير الكفالة التي طلبها الحاكم الإداري والتي قد تبلغ عشرات الآلاف.

3. ما دام أن الحاكم الإداري قد تم منحه صلاحيات قضائية ابتداءً من التحقيق وسماع الشهود والتوقيف والإفراج عن الموقوف وفرض الإقامة الجبرية أو الوضع تحت مراقبة الشرطة فلا بد من توفير ضمانات المحاكمة العادلة، فلماذا لا يتم الطعن إلا أمام محكمة العدل العليا في عمان فقط؟ هذا يشكل تحدياً ومشقة لذوي الموقوف للسفر والحضور إلى عمان وتوكيل المحامين وتقديم اجراءات الطعن أمـــام المحكمــــة لتنظـــر في إلغــاء القرار الإداري الصادر عن الحــاكم الإداري، والذي لا يلزمه القانون بتسبيبه مما يحدّ من قدرة المحكمة على بسط رقابتها على مشروعية قرار المحافظ.

4.هدف قانون منع الجرائم هو اتخاذ إجراءات احتزازية لمنع وقوع الجريمة في حين أن التطبيق العملي له يبدأ بعد وقوع الجريمة وبهذا فلا حجة مع التناقض، كما أن توقيف من وجد في مكان عام أو خاص بظروف توجب الشبهة معاقب عليه في قانون العقوبات، وكذلك فإن تشديد العقوبة على المكررين لجرائم السرقة عالجه قانون العقوبات أيضاً.

قانون منع الجرائم بحاجة إلى مراجعة وإعادة نظر في ظل تطور المجتمع الأردني وتعزيز دور القضاء، وتطبيق هذا القانون يتعارض مع مفهوم الحرية الشخصية المصونة في الدستور ولا ينسجم مع منطوق المادة التاسعة من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيّة، ويتم تضمين الانتهاكات الواقعة بسبب تطبيقاته في تقارير منظمات حقوق الإنسان الدولية كمؤشر سلبي. والجهود يجب أن تنصب لإزالة البقع الداكنة في منظومتنا القـانـــونية كدولة تتميز بقيادتها وسعيها نحو الديمقراطية وتعزيز حقوق المواطن.

* محامٍ وأستاذ في جامعة الشرق الأوسط

التعليق