عجز الموازنة والحل غير العبقري

تم نشره في الأحد 26 تموز / يوليو 2009. 03:00 صباحاً

 

قد يعتقد البعض أن وزارة المالية وجدت الحل المثالي لمعالجة عجز الموازنة الآخذ بالارتفاع إلى معدلات غير مسبوقة وذلك من خلال تخفيض بند الإنفاق الرأسمالي (الإنفاق على الشوارع والجامعات والمستشفيات والبنية التحتية من توسع أو تحديث أو إصلاح وترميم).

يمكن القول إن هذا الحل غير عبقري، لأنه يبادل مستقبل الأمة بحاضرها فيعالج الخطأ بالخطأ؛ فالخطأ الأساس هو عدم موضوعية أوجه الإنفاق وتضخمها، والعلاج لهذا لا يكون من خلال هدر مستقبل أكثر إشراقا للأجيال المقبلة.

كما يدعو هذا الحل إلى المزيد من الاعتماد على المعونات والقروض الأجنبية لدعم الاستثمار في المستقبل.

ويُتوقع أن يصل حجم العجز في الموازنة لهذا العام 1.1 بليون دينار أو 7% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي ضعف النسبة التي ادعت الحكومة أنها ستصل إليها في 2010. لا عجب في ذلك، فخلال الفترة 2004-2008 ازداد الناتج المحلي الإجمالي بـ86% فقط، بينما ازدادت موازنة الحكومة بـ176% في ذات الفترة، أي ضعف نسبة نمو الاقتصاد الكلي، كما أصبح حجم الحكومة ثلاثة أضعاف ما كان عليه.

 

أيضا فإن مشاركة الحكومة من ناحية الإنفاق في الناتج المحلي أصبحت تقارب 60%، بينما لا تتعدى القيمة المضافة في الاقتصاد الكلي لما تقدمه من خدمات 25%، ما يعني أن الحكومة لا تنفق بشكل يدعم النمو في الناتج المحلي الإجمالي، بل على العكس تماماً، هنالك هدر كبير في الإنفاق.

لم يبدُ لي أن أحدهم أخذ اهتماما بالتحذيرات التي أطلقتها قبل أعوام (في سنوات الرخاء وطفرة السيولة) حين حذرت من تسارع نمو الإنفاق الحكومي.

كان السبب الأساسي للقلق حينذاك هو أوجه الإنفاق الحكومي؛ فحسب الأجندة الوطنية، يذهب 70% من الإنفاق الحكومي إلى رواتب الموظفين فيها، و10% لدفع معاشات التقاعد منها، و10% لخدمة الدين المنفق عليها، ما يترك 10% فقط للإنفاق على تحسين البنية التحتية والمناخ الاستثماري في الأردن، وهي نسبة قليلة جدا، تجعلها غير قادرة على التفاعل مع الأزمات، خاصة وأن النفقات الجارية ترتفع مع ارتفاع معدلات الغلاء.

وبذلك، فحين ترتفع الموازنة خلال أي عام وبأية نسبة ولو كانت بسيطة، والامر غير ذلك كما تبين الأرقام، يذهب 90% من هذا الارتفاع إلى نفقات جارية وبطالة مقنّعة تضرُّ ولا تنفع.

وحين تقرر وزارة المالية أن تخفض 170 مليون دينار من النفقات الرأسمالية، وبغض النظر عن كون بعض هذه النفقات سيذهب كرواتب وأجور، فإننا نضحّي بالمستقبل من أجل ممارسات خاطئة حالية ونرحلّ المشكلة للأجيال المقبلة.

من الجدير بالذكر، أن الحكومات والشعوب والأمم لا تدار كشركات خاصة تستطيع أن تقلل من الإنفاق الاستثماري لإشباع إنفاقها على الرواتب والأجور.

فهل أرسل واضعو هذه القرارات أبناءهم إلى المدارس والجامعات والمستشفيات الحكومية ليعانوا كما نعاني من تدني مستوى هذه الخدمات؟ في بلد تبلغ فيه نسبة من هم دون سن الثلاثين 70%، يجب أن يكون للمستقبل فيه دور أكبر في صياغة السياسات الاقتصادية.

yosef.mansor@alghad.jo

التعليق