عيسى الشعيبي

فتى سلطي نبيل

تم نشره في الجمعة 24 تموز / يوليو 2009. 02:00 صباحاً

 

في حياتنا اليومية المتجهمة أكثر مما ينبغي بكثير، المثقلة بهموم شتى واهتمامات لا حصر لها، أحسب أن مراراتها تفيض عما تتسع له ضفاف النفس المعذبة، بدت لفتة الشاب محمد الجغبير الاعتذارية تجاه زوجته إيمان، بمثابة ملعقة فضية تقطر بالشهد المنقى، طاف بها هذا الفتى السلطي النبيل، بأناقة وكرم ضيافة وتهذيب شديد، على شفاه أزواج وآباء كثيرين، عقدت المرارة حلوقهم طويلاً، وادلهمت الدنيا في وجوههم لألف سبب وسبب، ليس في مقدمتها بالضرورة خلافات الأزواج وضيق صدر الآباء ونكد أمهات الأولاد.

من هنا تكتسب واقعة الاعتذار العلنية، وغير المسبوقة أبداً لدى مجتمع أبوي تستبد به تقاليد بطريركية صارمة وميثولوجيات تاريخية مغرقة في استعلائها الذكوري إزاء المرأة، أهمية استثنائية تتجاوز حدود ما هو ذاتي بكثير، وترتقي بالمناسبة الفردية إلى مستوى ما هو عام، على نحو يشف فيه حدث شديد الخصوصية عن رسائل غير مضمرة تخاطب مجتمعاً تعلو قباب روحه الجمعية سناج سُرج لم يبق في فتيل الواحد منها سوى قطرتين من الزيت، وشهقة واحدة مما تبقى من ضوء في عتمة الليل، والليل طويل بعد.

ولعل السؤال هو من يقدر بين ظهرانينا على فعلة الاعتذار، حتى بدرجة أقل علنية مما فعله الجغبير أمام المارة وعدسات المصورين؟ ومن يجرؤ على مثل هذه المكاشفة الحارة مع النفس في وضح النهار، على لومها من دون تردد، على الانعتاق من ربقة المكابرة، والكف عن التعلق بحبال المعاندة، إلا الرجال الكبار في نفوسهم، واسعي الخيال، أصحاء العقل عفيي القلب والوجدان.

لقد كان محمد الجغبير، وهو يعتذر على الملأ لزوجته عما بدر منه من أخطاء، يخاطبنا جميعاً نحن الذين نحب المرأة في السر ونميّز ضدها في المنزل ونغمط حقوقها في العمل، نستسهل الافتئات عليها في الحياة والممات، نقتلها باسم الدفاع عن الشرف، بعد أن أشبعها أجدادنا وأداً مخافة من عار وإشفاقاً من ملق.

كما كان محمد يخاطب في بادرته التي لن تمحى من الذاكرة، نساءً بيننا يدافعن عن ضرب المرأة، ويؤيدن الحجر عليها وراء الأسود الكثيف، ووضع كل أربع دجاجات على شاكلتهن في قن صفيح مع ديك فصيح، ويجادلن في أن المرأة كلها عورة، وأنها ناقصة عقل ودين وميراث، وخير ستر لها تزويجها في مطلع سن البلوغ.

وهكذا، فإن رسالة الجغبير التي بدت وكأنها آتية من حصيلة ثقافية معرفية تتقدم على تطورنا الاجتماعي بدرجة مسافتها نحو مئة سنة حضارية وأكثر، رسالة لا يستطيع صوغ بيانها الإسكندنافي الملهم إلا قلة قليلة، ممن لديهم مثل هذه الشجاعة الأدبية النادرة، وكل هذه الثقة العالية بالنفس، وهذه القدرة على المكاشفة والبوح بأعمق ما في خلجات العوالم الداخلية السليمة، من رقة طبع وعذوبة حب وسلاسة شعر، تماماً على نحو ما جاء في معلقته الصغيرة "إيمان، أنت أحلى قصائدي، لك وحدك أكتب، حبك يزيد في قلبي كل لحظة، لأنك كل شيء في حياتي".

لذلك كله، يجب ألا تمضي هذه الواقعة النادرة في مدار حياتنا الاجتماعية المسكونة بالقلق والألم ونشاف الريق، من دون أن تنال حقها بالتنويه والإشادة والاحتفاء، من جانب الإعلام والمثقفين الديمقراطيين والمؤسسات المعنية، والقيادات النسوية القادرة ربما أكثر من غيرها على تطويب هذه الحادثة السعيدة كمثال يدعو إلى التمثل، ومن ثم الاستثمار فيها ما أمكن، لتخفيف حدة الإجحاف ضد الإناث، وكبح جماح قوى برلمانية تقونن التمييز وتشرعن جرائم الأشقاء الأشقياء، فضلاً عن نقابات تمالئ التشدد والمغالاة، وأحزاب أصولية تجاهر بالعداء ضد تمكين المرأة، وتستقوي عليها بموروث يجري تأويله بتعسف لتأبيد عصر الحريم، بما فيه من اضطهاد وتخلف واسترقاق.

Issa.alshuibi@alghad.jo    

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الجغبير انسان نبيل فعلا (ابو السعود)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    اشكر كاتبنا على مقاله وكل التحيه لمحمد الجغبير الذي وضع انسانيته اولا وبلا شك فهو الكاسب من هذا التصرف لان البديل هو التعاسه وخراب البيوت , تلك الطريق التي يختارها الكثيرون بدافع الكبرياء الزائف "فالكرامه"عندهم اولا ولتذهب البقيه الى الجحيم

    آن لنا ان نخرج من ثقافه العيب -الزائف ايضا - وان نحكم الاخلاق وليس العصبيه والجهل والتخلف
  • »محمد الجغبير وردة في وسط حزمة اشواك (lubna hasan)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    عندما قرأتما فعل محمد الجغبير صدقا ام اصدق ان في مجتمعنا هذامثل هذا النموذج وصدقا انتابني فرح داخلي عارم لأنني أحسست بنوع من عدالة وبنوع من رد شرف للمرأة لأنني اوشكت على ال‘عتقاد ان لا وجود لرجال من هذا الصنف والأغرب من هذا ان اسمع تعليقا من بنات جنسي يقلن أن هذا انتقاص للرجولة وهل تنازل الرجل عن الخطأ فيه نقص وهل تحمل المرأة للإهانة واحيانا الضغوط النفسية فيه رجولة او على أقل تقدير ليس انتقاصا من انسانيتها البحتة بعيدا عن جنسها وهل يا ترى لو وضع الرجل مكانهايقبل ما يقع عليه من ظلم او حتى الانتقاص من انسانيته لمجرد انه خلق من جنس مصنف في مجتمعنا درجة ثانية ان لم تكن درجة اخيرة عند البعض
    محمد الجغبير اشكرك من صميم قلبي على بداية في مجتمعي هذا ارجو أن يغار منها الكثيرون ولو من باب الموضة اشكرك على هدية أهديتها لقلوب الكثيرات من اخواتك قبل أن تهديها لزوجتك وحبيبتك وأنت فعلا رجل والرجال قليل
  • »أكثر من ظاهرة إعلامية (أيمن ناصر)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    ما أجملك ياعيسى..
    الكاتب الكبير الذي يتصدى لأعقد القضايا القكرية والسياسية هو من لايتعالى عن قضايا شعبه ، تلك التي يظنها البعض صغيرة !
    هذه قضية تثير مسألة حساسة في تعاملنا مع المرأة ولعل التعليقات ا لكثيرة المتضاربة حول قضية الشاب محمد الجغبير كانت تعكس نماذج من وجهات النظر لفئات الشعب ، حول المرأة و الرجل و فكرة المكابرة الرجولية وأنماط السخرية من الحادثة بوصفها تمس كرامة الرجل الذي من حقه أن يقتل الأنثى ليمر هذا كخبر عادي في الصحافة .. أما أن يحاول رجل الإعتذار علنا وأمام المجتمع والإعلام فهذا شيء طاريء على ثقافة الأستكبار الذكورية ، مع أن الجغبير لم يطرح أية تفاصيل شخصية في إعتذاره ، وهذا من حقه ...
    لم نجد في تفاصيل قصة الإعتذار العلني مايعيب المجتمع أو مايستوجب السخرية بل هي كما تفضل الأستاذ عيسى الشعيبي شجاعة أدبية نادرة ورقة طبع وعذوبة وحب ..
    المرأة -كما تعودنا - هي التي تُجبر على الإعتذار و الخضوع و الخنوع ، هذ اصار من أدبياتنا وقيمنا المهتزة ، علينا أن نحترم مبادرة جريئة كمبادرة الشاب السلطي الجغبير وأن لانكتفي بذلك بل بمتابعة قضيته من الهيئات المختصة و أهل الخير للصلح بين الطرفين وأن يتعهد محمد بالإلتزام بما أعلنه أمام الملأ و زوجته حماية لأسرة جديدة من الإنهيار وتعزيز أواصر العلاقة بين الطرفين لأجل طفلهما واسرتهما ، كما علينا أن لانغفل وجهة نظر الزوجة و نعتبر أن ماقام به الزوج كان كافيا لقبولها إعتذاره الفريد من نوعه ، لانريد أن نتدخل في خصوصياتهما ولكن ربما للزوجة رأيها أيضا والذي لاتريد أن تجهر به ، وعرفت أنها رفضت أن تردعلى مكالمة من محطة فضائية كانت تستضيف زوجها..
    على كل حال أرجو أن نترك التفاصيل لجهات الخير والإختصاص الإجتماعي ، نحن نتحدث عن ظاهرة جريئة وجديدة على مجتمعنا ولا أعتقد أن الزوج ماكان ليزج بنفسه بهذا الإعلان/ التظاهرة إلا بحسن نية ورغبة منه في استعادة أسرته ، زوجته وابنه معا .. لآن كل خطوة سلبية ستكون محسوبة عليه مستقبلا بعدما ألقى بمشكلته في وجه المجتمع .
    نعم .. نرجو من القيادات النسائية والعاملة في حماية الأسرة متابعة هذه القضية وأن لانتوقف عندها كظاهرة إعلامية كانت الأكثر قراءة و تعليقا وإرسالا في صحيفة " الغد " في يومها، وهذا يعكس أنها أثارت إهتمام القراء والذين باركت أكثريتهم الفكرة الجريئة ، وهذا يعكس طيبة هذا الشعب وحسن معدنه وأن الخير هو الأصل والمتأصل فينا..
    شكرا مرة أخرى للإستاذ عيسى على إلتفاتته الجميلة.
  • »ان من البيان لسحرا (محمد داودية-جاكرتا)

    الجمعة 24 تموز / يوليو 2009.
    قرأت باستمتاع كبير هذه المقالة /السبيكة المتميزة في لغتها وشاعريتها وجمال تكوينها وعذوبة مفرداتها وكذلك افكارها التقدمية الانسانية النزيهة تجاه المرأة والحق والخير والشجاعة الانسانية في الاعلان المفرط في جسارته عن الاعتذار التطهيري التكفيري عن 2000 سنة من امتهان المرأة وامتهان الذات تأسيسا عليه.
    من فرائد الصحافة الاردنية ومن مقالات الجمال التي تنعش الروح وتثري النفس وتمدها بطاقة امل وفرح. تهانينا للغد وللكاتب استاذنا الكبير عيسى الشعيبي.