إعادة النظر في العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص

تم نشره في الخميس 23 تموز / يوليو 2009. 02:00 صباحاً

 

كمبريدج - إذا دخل أحد رجال الأعمال إلى مكتب أحد الوزراء في الحكومة وقال إنه يحتاج إلى المساعدة، فماذا يتعين على الوزير أن يفعل؟ هل يدعوه لتناول فنجان من القهوة ويسأله كيف يمكن للحكومة أن تساعده؟ أم هل يطرده خارج مكتبه بدعوى أن الحكومة لا ينبغي لها أن تحابي رجال الأعمال؟

إن هذا السؤال يشكل اختباراً نفسيا لصناع القرار السياسي وأهل الاقتصاد. فمن جانب، هناك المتحمسون للسوق الحرة وأهل الاقتصاد من أنصار الكلاسيكية الجديدة، الذين يعتقدون في الفصل التام بين الدولة وقطاع الأعمال. فهم يرون أن دور الحكومة يتلخص في أن تؤسس قواعد وأنظمة واضحة ثم تترك المؤسسات التجارية لتغرق أو لتسبح بجهدها الخاص. ويتعين على المسؤولين العموميين أن يبتعدوا عن المصالح الخاصة وعن مجاملتها أو تملقها. أي أن المستهلكين هنا هم أصحاب الحظوة والسلطان، وليس المنتجين.

يعكس هذا الرأي تقليداً جليلاً يرجع إلى آدم سميث ويستمر تواجده في مراجع الاقتصاد حتى اليوم. وهو يشكل أيضاً المنظور السائد للحكم في الولايات المتحدة، وبريطانيا، وغير ذلك من المجتمعات التي تسير على خطوط أنجلو أميركية ـ رغم أن الممارسة الفعلية لهذا التقليد كثيراً ما تنحرف عن المبادئ المثالية.

وعلى الجانب الآخر هناك من نستطيع أن نسميهم أنصار النقابوية أو التجاريين الجدد، الذين يرون أن التحالف بين الحكومة وقطاع الأعمال أمر لا غنى عنه للأداء الاقتصادي الجيد والوئام الاجتماعي. وفي هذا النموذج يحتاج الاقتصاد إلى دولة تصغي بكل اهتمام وشغف إلى قطاع الأعمال، ولا تتردد عند الضرورة في تشحيم عجلات التجارة من خلال توفير الحوافز، وإعانات الدعم، وغير ذلك من الفوائد التقديرية. ولأن الاستثمار وخلق فرص العمل من العوامل التي تعمل على ضمان الرخاء الاقتصادي، فإن الهدف الأساسي من السياسات الحكومية لا بد وأن يدور حول إسعاد المنتجين. أما القواعد الصارمة وتزمت المسؤولين فمن العوامل التي تؤدي إلى خنق الروح الحيوانية لدى أهل طبقة المال والأعمال.

ويعكس هذا الرأي تقليداً أقدم يعود إلى الممارسات التجارية في القرن السابع عشر. كان أنصار المذهب التجاري يعتقدون في الدور النشط الذي يتعين على الدولة أن تضطلع به ـ في تعزيز الصادرات، ومنع استيراد المنتجات النهائية قدر الإمكان، وتأسيس احتكارات تجارية قادرة على إثراء رجال الأعمال والتاج. وتظل هذه الفكرة على قيد الحياة إلى اليوم متمثلة في ممارسات القوى الآسيوية التصديرية الكبرى (وأبرزها الصين).

لقد أحرز آدم سميث وأتباعه نصراً حاسماً في المعركة الفكرية بين هذين النموذجين من نماذج الرأسمالية. ولكن الوقائع على الأرض تحكي قصة أكثر غموضاً والتباساً.

لقد حظي أبطال النمو في العقود القليلة الماضية - اليابان في الخمسينيات والستينيات، وكوريا الجنوبية من الستينيات إلى الثمانينيات، والصين منذ مطلع الثمانينيات- بحكومات نشطة تعاونت على نحو وثيق مع شركات قطاع الأعمال الكبرى. وكانت هذه الحكومات حريصة على تعزيز الاستثمار والصادرات بينما عملت على تثبيط الواردات. والحقيقة أن ملاحقة الصين في السنوات الأخيرة للاقتصاد القائم على المدخرات والفوائض التجارية الضخمة يجسد تعاليم المذهب التجاري.

ويستحق المذهب التجاري المبكر أيضاً إعادة النظر. فمن المشكوك فيه أن التوسع الهائل للتجارة الدولية في القرنين السادس عشر والسابع عشر كان ليصبح ممكناً لولا الحوافز التي وفرتها الدولة، مثل مواثيق الاحتكار. وكما يزعم العديد من المؤرخين للاقتصاد فإن الشبكات التجارية والأرباح التي قدمها المذهب التجاري لبريطانيا ربما كانت حاسمة في انطلاق الثورة الصناعية التي شهدتها البلاد في منتصف القرن الثامن عشر.

لا شيء من هذا قد يضفي أي قدر من المثالية على ممارسات أنصار المذهب التجاري، الذين يسهل علينا أن نرى التأثيرات الضارة الناجمة عن ممارساتهم. فمن السهل جداً أن تنتهي الحال بالحكومة إلى التحول إلى لعبة بين أيدي أصحاب المال والأعمال، فتكون النتيجة المحسوبية والبحث عن الربح بدلاً من السعي إلى تعزيز النمو الاقتصادي.

وحتى حين ينجح التدخل الحكومي لصالح قطاع الأعمال في مستهل الأمر فمن الممكن أن يفقد نفعه مع الوقت ويصبح متحجراً. إن ملاحقة الفوائض التجارية لابد وأن يؤدي في النهاية إلى نشوء الصراعات مع الشركاء التجاريين، ولا شك أن فعالية سياسات المذهب التجاري تعتمد جزئياً على غياب السياسات المماثلة في أماكن أخرى.

فضلاً عن ذلك فإن تبني المذهب التجاري من جانب واحد لا يشكل ضمانة للنجاح. وربما بدت العلاقات التجارية بين الصين والولايات المتحدة وكأنها نموذج مثالي للتوافق التام ـ بين ممارسي مبادئ المذهب التجاري والنماذج الليبرالية على التوالي ـ ولكن حين نراجع الأمر الآن فسوف يتبين لنا بوضوح أن هذه العلاقات أدت في النهاية إلى الانفجار. ونتيجة لهذا فيتعين على الصين أن تدخل تعديلات مهمة على استراتيجيتها الاقتصادية، وهي الضرورة التي ينبغي لها أن تعد لها نفسها من الآن.

ومع ذلك فإن العقلية التجارية تزود صناع القرار السياسي ببعض المزايا المهمة: ردود فعل أفضل إزاء القيود والفرص التي يواجهها النشاط الاقتصادي الخاص، والقدرة على خلق حس الانتماء الوطني حول الأهداف الاقتصادية. وهناك الكثير مما يستطيع الليبراليون أن يتعلموه من هذا.

الحقيقة أن العجز عن إدراك المزايا المترتبة على قيام علاقات وثيقة بين الدولة وقطاع الأعمال يشكل النقطة المحتجبة في الليبرالية الاقتصادية الحديثة. ولنتأمل كيف انتهت الحال بمساعي البحث عن أسباب الأزمة المالية في الولايات المتحدة. إن الرأي التقليدي السائد اليوم يلقي باللوم على العلاقات الوثيقة التي نشأت وتنامت بين صناع القرار السياسي والقطاع المالي في العقود الأخيرة. فالليبراليون يرون أن الدولة كان لزاماً عليها أن تحافظ على مسافة كافية بينها وبين القطاع المالي وأن تعمل بإخلاص كجهة تعمل على حماية سيادة المستهلك.

ولكن المشكلة ليست أن الحكومة أنصتت إلى وال ستريت أكثر مما ينبغي؛ بل إن المشكلة هي أن الحكومة لم تنصت إلى نبض الشارع التجاري، حيث يقيم المنتجون والمبدعون الحقيقيون. وهكذا حلت النظريات الاقتصادية غير المختبرة بشأن كفاءة الأسواق وانضباطها الذاتي في محل الحس السليم، وتمكن أصحاب المصالح المالية من فرض هيمنتهم، بينما بات لزاماً على الجميع غيرهم، بما في ذلك الحكومات، أن ينظفوا الفوضى المترتبة على ممارساتهم.

* أستاذ الاقتصاد السياسي بكلية جون ف. كينيدي للعلوم الحكومية بجامعة هارفارد، وأول متلقٍ لجائزة ألبرت و. هيرشمان التي يقدمها مجلس أبحاث العلوم الاجتماعية. وأحدث مؤلفاته كتاب بعنوان "اقتصاد واحد والعديد من الوصفات: العولمة، والمؤسسات، والنمو الاقتصادي".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق