غسل العار

تم نشره في الاثنين 13 تموز / يوليو 2009. 03:00 صباحاً

 

من المعين ذاته الذي يغرف منه قاتل شقيقته لـ"ضرورات" غسل العار، يغرف الذي يطلب فحص العذرية كشرط للخطبة أو الزواج. ومن المعين نفسه ينهل أولئك الذي يقتتلون في الجامعات ويستخدمون الرصاص الحي لأن "زميلا" مارقا احتل مقعد أحدهم في المحاضرة، أو لأن شخصا ما غازل فتاة ترتبط بهم بقرابة من الدرجة الألف..

إنه المعين عينه الذي يجعل شخصية دينية في موقع مرموق ترفض الإجابة عن سؤال فقهي لأن السائلة أنثى، بل إنه يعتقد أن سؤالها من علامات يوم القيامة.

إن ثمة تماسا بيّنا بينونة كبرى، بين ذلك المعين ونظيره الذي يدفع مصمم ملابس إلى ابتكار نقاب بعين واحدة من أجل إغلاق كل المنافذ إلى "هيكل" المرأة الخارجي، لأن إظهار عينين اثنتين يندرج في إطار العورة، والعورة "مؤنث" العار الذي يهبّ الفتية الطائشون إلى غسله وتطهيره من الدنس، بمباركة وجهاء العائلة وكبارها ورجالها ونسائها وأطفالها..

إن في غسل العار طقوسا وثنية تتلذذ في سفك الدم وتمزيق الأشلاء ونحر العنق وتقطيع الأوصال.. كل ذلك لأن فتاة اشتبه ذَكرُ العائلة الأغرّ أن سلوكها ينمّ عن ريبة أو ينبئ بفاحشة، فيما أثبت الطب الشرعي أن غالبية الضحايا اللائي قتلن تحت ما أضحى يعرف بـ"جرائم الشرف" كنّ عذراوات.

فبأي ذنب تقتل النساء، ويسيجن بأرتال القماش السميك حتى ليَسمح لعين واحدة أن ترى، إن كان مسموحا لها أن ترى غير جدران المنزل الكئيب الأشبه بسجن..؟

وبأي ذنب يطلب شاب من خطيبته فحص العذرية، وهو الذي لم يترك فاحشة إلا اقترفها، ولم يسجل في تاريخه أنه كان صادقا أو ملتزما أو مخلصا بعمل أو صداقة، أو أنه كان نزيها في شيء.. وأي انحطاط تُساق إليه بناتنا وأخواتنا وقريباتنا.. وأية مذلة يُراد لهنّ أن يتمرغن في وحلها وهنّ يقفن أمام طبيب يبشّرهنّ بأنهن عذراوات، وأن الشيطان الرجيم لم يقرب فروجهن؟!

فمن الذي يتعين عليه أن يغسل عاره، إذن؟

على المجتمع الذي يصمت على القتل المنهجي المبارك لفتياته ونسائه أن يغسل عار تخلفه، وأن يعلم أنه بقتله البريئات إنما يتنكر لإنسانيته، ويغرس نصل الموت في أحشاء قلبه، فالفتاة التي تئن بصوتها المجروح وتتوسل شقيقها أن يسمع روايتها قبل أن يبقر بطنها، ستظل لعنتها تطارد الجناة ومن والاهم إلى يوم الدين!

إن السكاكين المشهرة لقتل البريئات سكاكين جبانة حركتها نفوس جبانة في مجتمع جبانٌ كلُ من أغمض عينيه فيه على هذا الذبح المتواصل لنصف المجتمع، بل نصف العالم، وكل المعنى.

أما اللائي قادتهن خياراتهن الحمقاء إلى التورط في ممارسات غير قانونية، فثمة قضاء يتعين أن ينظر في أوضاعهن، رغم ما في هذا القضاء من مواد تخفيفية تشجع الجناة على ارتكاب جرائمهم والخروج في صورة المنتصر المقدام الذي حرر الأندلس..

فبأي منطق تُقتل فتاة لأنها ارتكبت "الفاحشة!!"، بينما لا يقتل الذي يبيع مواد غذائية فاسدة، أو يسوق مواد للاستهلاك البشري مع أنها للحيوانات، أو أنها غير مكتملة الأجنة؟

ولماذا لا يقتل الفاسد الذي يسرق أموال الناس ويبني بها القصور والفلل والمزارع؟ ولماذا لا يقتل المرتشي، أو الخائن، أو الجاسوس، أو مهرب المخدرات.. أليست كلها جرائم أشد فظاعة وأثرا من النظر من ثقب الفضيلة المبجلة إلى فتاة شاهدها شقيقها الهمام تترجل من سيارة تاكسي في وضح الظهيرة؟

تلك أسئلة كنتُ طرحتها طوال أكثر من خمسة عشر عاما، في سياقات مشابهة لما نحن فيه الآن من تآكل مرعب في المفاهيم والقيم والأولويات.. وكنتُ ناديتُ اتحادات النساء ومنظمات المجتمع المدني، وسائر الحرائر والأحرار كي يهبوا لإنقاذ الأنوثة من الفناء المجاني الأرعن.. ولكن لا حياة لمن تنادي!

m.barhouma@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بأي ذنب تقتل؟ لأنها امرأة (بثينه الهباهبه)

    الاثنين 13 تموز / يوليو 2009.
    نعم نتفق أن الزنا حرام وجريمة قذرة, وفعلا الغريب في الأمر إن من بين كل المخطئين و الفاسدين تقتل المرأة !

    لنعترف إننا نحن عار بدون اقتراف أي ذنب, ذكر اسم الأم عار وذكر اسم المرأة بشكل عام عيب فتدعى ب "الأهل" ولا يجوز ذكر اسمها ففي بطاقات الدعوات مثلا يتم الاكتفاء بعبارة "كريمته" , و الطلاق عار على المرأة فقط و ليس للطرف الآخر ,في بعض القرى جنوبا لا تمشي المرأة بجانب زوجها بل تسير خلفه ببضع خطوات "تلهث ورائه" ...الخ
    هذا هو مجتمعنا, وظاهرة غسل العار مازالت سائدة في بعض شرائحه بدرجات متفاوتة كإحدى القيم الاجتماعية التي ترتوي من جذوره الممتدة إلى عصر البداوة والقبلية كقيمة أخلاقية مقدسة.
    إنه مجتمع "مغلق" إلى إشعار آخر, يدعى الحرص على تعاليم الديانات, لا يرغب أن يفتح أبوابة ومناقشة قضاياه بعمق وشفافية خوفا من أن تكتشف تحجرهم وخوائهم, ولأجل هذا يا سيدي .......لا حياة لمن تنادي.
  • »لمين هذا الحكي ؟؟؟ (البقعاوي)

    الاثنين 13 تموز / يوليو 2009.
    سيدي الكاتب .. أعتقد أن مقالتك فيها الكثير من المغالطات ... ولم نعتاد على هذا من كاتب كبير كحضرتكم ... بالنسبة للباس المرأة لست أنت من تحدده . لأن ديننا حدد اللباس اللائق بالمرأة ... وبالنسبة أن أكثر التقارير الطبية أثبتت أن أغلب الفتيات اللواتي قتلن للدفاع عن الشرف كن عذراوات .. هذا لا يعني أنهن كن شريفات .. فقد أخترعت طرق كثيرة لهتك العرض دون المساس بالبكارة ... وبالنسبة للخاطبين الذين يطلبون فحص العذرية .. فأنا أؤيد كلامك ...
    أتمنى لك دوام التوفيق
  • »وأد القرن الواحد والعشرين (ابو خالد)

    الاثنين 13 تموز / يوليو 2009.
    لماذا لا يقتل الفاسدولماذا لا يقتل المرتشي ولماذا لا يقتل الى اخر القائمة,السبب بسيط لانه وللاسف فأن مفهومنا للشرف انحصر بين سيقان فتياتنافقط ,وكل ما هو خلاف ذلك يندرج تحت عنواين الذكاء والفهلوة والشطارة فكل شيء مباح ويمكن تبريره طالما ابتعد عن ذلك الركن للشرف.
    ان ما يحدث لفتياتنا هو وأد ولكنه اسوأ من وأد الجاهلية اذ انه في الجاهلية كانت الفتاة توأد مرة واحدة وتموت ولكن ما يحدث الان هو وأد يومي لبناتنا.
    اخبرني صديق درس في باكستان ان معنى امرأة في لغتهم هو "عورة"
    الا يكفي هذا المثل لبيان العنوان الذي ننظر به للمرأة؟؟؟
  • »غسل العار..نصر مر على جثة مظلومة...!!!! (أروى عامر)

    الاثنين 13 تموز / يوليو 2009.
    أي كلام يمكننا به طوال عيشنا على هذه البسيطة أن ندلي به فنغسل أدمغة الذين لا رغبة لهم أن يفهموا أن " من قتل نفسا كأنما قتل الناس جميعا"....
    " وإذا.....سئلت بأي ذنب قتلت " ..؟!!!!
    ولا أدري هل يصير الرجل إلى هذه الدرجة من الوحشية هباءا..ألم تربه أم " امرأة" وتهدهده عمة أو خالة ..؟!!
    وفي الوقت ذاته تسكت فتاة اي فتاة عن غدره معها ولا تفتضح أمره بين الخلائق..؟!!!!

    غسل العار ..نصر مر على جثة مظلومة..!!

    فمن ينهي هذه الدوامة من شروشها وشرورها...!!!
  • »عادة غسل العار (احمد الجعافرة)

    الاثنين 13 تموز / يوليو 2009.
    شكرا للكاتب موسى برهومه على هذا المقال الهادف عن فهمنا الخاص للعار
    حيث نتفرد نحن كعرب ومسلمين بهذه القيمه الاخلاقيه التي ولدة في ضروف تاريخيه تختلف تماما عن ضروفنا الحاليه الا وهي ضروف الغزو والنهب التي كانت تعيشها القبائل العربيه في الجزيره العربيه وهم نفسهم الذين وصفهم الاسلام بأشد كفرا ونفاقا
    ولو عدنا بعض الوقت لنرى كيف تشكلت هذه القيمه ؛ لوجدنها ترتبط بالغزو الذي كان سائدا في تلك المرحله فكان العربي يلجأ الى الخلاص من الانثى خوفا من يستولي عليها الغازي وكلنا يعرف كيف كانت تتحول المرأه الغنيمه الى امرأة جاريه تجري في بيت المنتصر ملبية كافة الطلبات بما فيها الجنسيه دون ان يعترف بها كزوجه .
    في مثل هذه الاحوال الشنيعه التي سادة عند العرب ظهرت عادة غسل العار الذي هو شنيع بشناعة السبب الذي اوجده
    اما وقد انتهينا من الغزو ومن السلب والنهب في هذا العصر فمن الاحرى بنا ان نراجع قيمنا واخلاقنا بما يتمشى مع عصر الحداثه والتنوير الذي يسود كل العالم اليوم
    فهل نحن فاعلون
1 2