أفلح المقاولون.. وخسر الوطن

تم نشره في السبت 11 تموز / يوليو 2009. 03:00 صباحاً

في زمن غير بعيد، كان أي احتفال وطني ذي صبغة ثقافية أو اجتماعية، ابسط مما هو عليه اليوم. نتذكر احتفالات وطنية ما تزال في الذاكرة، ولكنها كانت تجري بشكل أبسط مما تقام عليه اليوم، وبأقل كلفة، وكان الناس يشاهدون مغناة، وفلكلورا، وتراثا ينتمي للوطن وثقافته.

اليوم، لو تفحصنا الاحتفالات الوطنية، ومنها الحفل الذي أقامه المجلس الأعلى للشباب قبل مدة، أو في احتفالات مئوية عمان، أو حفل افتتاح مدينة الكرك الثقافية، لوجدنا الأمر ذاته مكررا، فهو شكل منسوخ بلا معنى، فيه كلمات لا تكرس غير أفكار الثقافة الرعوية التي تصور المجتمع أنه مفرط في البداوة وصفاتها التي لا يمكن العودة لها اليوم.

 كانت فرقة الكرك للفلكور الشعبي أو فرقة الفحيص التي يغني فيها صبايا وشباب أو صوت توفيق النمري في أي حفل أو مشاركة فرقة معان الشعبية أو غيرها من الفرق، كان كافيا لأن يطرب الناس ويفرحهم بأقل الكلف ودونما بذخ.

اليوم أضحى للاحتفالات مقدمان، واحد على الأغلب يكون فنانا يتحرك على المسرح من دون كلل أوملل، محاولا ألا يثبت على المنصة أو المسرح غير متنازل عن حرفته، وآخر يتحدث بلغة انجليزية، بشكل مضحك أحيانا. وكان المقدم الذي تحدث في مهرجان الأردن إلى جانب الفنانة نادرة عمران نموذجا على الإفراط في التغريب الذي يرقى إلى حد الفصام الثقافي في هكذا مناسبة وطنية.

لأي حفل اليوم مقاولون، ليس كما كنا بالأمس القريب. اليوم ثمة فرق متخصصة ومقاولو كلمات جاهزة تصلح لأي حفل، وأي حفل لا تقل كلفة العمل الاستعراضي فيه عن مائة ألف دينار، حفل "هامل"!

في زمن قريب مضى، كان قصر الثقافة أقرب إلى سجل وطني للاحتفالات الرسمية، وكان يحتمل سائر المناسبات بكل هيبة ووقار، وكان عدد قليل من رجال الشرطة قادرين على تنظيم دخول الناس بعيدا عما نشهده اليوم من وجوه إنفاق غرائبية.

 زمان، كان المسرح الجنوبي في جرش مكانا لولادة النجوم واكتمال مسيرة للكبار. اليوم أضحت صالة "الأرينا" هي المصنع الجديد. وزمان كان الغناء يحمل معاني راقية، أما اليوم  ففي الاحتفالات الوطنية تضيق دائرة التعبير لتتحول المغاني عن مقاصدها إلى معاني فردية ذاتية وأفكار مجترة ومكرورة حد السأم.

المقاولون يغزون البلد في كل شيء، ومثلما هناك نواب مقاولون كشفت عنهم "الغد" ينفذون ثلث مبادرة سكن كريم، وهؤلاء أضحوا نواب محاصصة، هناك شعراء وكتّاب كلمات لهم تسعيرة لأي مناسبة، وهؤلاء هم المفلحون. أما الوطن والمواطن فهما الخاسران. وما الضير في ذلك ما دام المسؤولون يجدون في الموسيقى والرقص مع التفنن بالأضواء ما يعوض فقرهم المعرفي، وشح خيالهم، وتدني إنجازاتهم، لتسدل ستارة الحفل ولنجد أن المواطن دفع فاتورة ذلك كله من ضرائبه وعرق جبينه وخبز أطفاله.

أخيرا، لسنا ضد الفرح، لكن عندما تكون المناسبات وطنية يجب أن يكون الاحتفاء بها وقورا ومهيبا بعيدا عن الاستعراض والإبهار الفارغ، ويجب أن يكون مقدم الحفل يجيد اللغة، ولا حاجة لمقدم باللغة الانجليزية في حفل تبثه شاشة محلية لا يراها إلا أهل الأطراف والقرى والرسميون المعنيون جدا جدا!.

Mohannad.almubaidin@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »هان الوطن (غساني)

    السبت 11 تموز / يوليو 2009.
    يا دكتور هان كل شيء علينا حتى اصبح الوطن سلعة نبيع بها ونشتري ونتفنن في إستغلاله والقضاء على مقدراته واستغلال لقمة عيش أبناءه
  • »خسر المقاولون ولو فلحوا (عبدالله السعدي)

    السبت 11 تموز / يوليو 2009.
    اشكرك جدا يا دكتور مهند على هذا المقال المفخره لكل اردني والله انا افتخر اني تلميذ من تلاميذك في الجامعه
    المقاولون خسرو رغم افلاحهم فهم في كسب المال لكنهم خسروا ثقافة وسمعة بلد فماذا كسبوا عندما خسروا الوطن الاغلى من كل المال