د.أحمد جميل عزم

حملة البطاقات الصفراء والهوية الوطنية

تم نشره في الأحد 5 تموز / يوليو 2009. 03:00 صباحاً

 

كانت ليالي بلا نوم، تلك التي تلت إبلاغ زوجتي في عمّان، العام الفائت، أنّنا قد نفقد الجنسيّة الأردنية إن لم نبادر إلى تسجيل أبنائنا فيما يسمّى بهوية الاحتلال، أو هوية السلطة الفلسطينية، وهي الهوية التي تُمنح لأبناء الضفة الغربية، القاطنين هناك، أو الذين كانوا هم أو آباؤهم هناك عام 1967، أو حصلوا عليها لاحقا فيما يعرف باسم "عملية لمّ الشمل".

طلبت زوجتي إلى الموظف توضيح المسألة، وقالت له إنّها لا تفهم الموضوع بخاصة أنّ أجدادها موجودون في شمال الأردن منذ عشرات السنين، قبل أن يكون هناك فكرة دولة اسمها إسرائيل، ولا يوجد أي رابط رسمي حكومي أو تاريخي شخصي عائلي بينها وبين فلسطين سواي؟! وهي لم تزر غرب النهر في حياتها، ولا يسمح لها أن تكون هناك، ولكن الآن يبلغها أنّ زوجها المولود أصلا في عمّان، والذي يصر دائما على "أردنيته"، قد يفقد جنسيته هو وأولادهما ويصبح "أجنبيّا"، فردَّ الموظف إن اختصار الموضوع وتوضيحه في عجالة عملية صعبة.

بالنسبة لي لم يكن الأمر متعلقا بقضية جواز سفر وجنسيّة فقط، وردة فعلي الأوليّة حينها أنّ هذا لا يمكن أن يكون جديًّا، ولا يملك أحد أن يحرمني من مواطنتي وهويتي، وأنّ القضية قضية مواطنة قبل أن تكون قضية جنسيّة. كما أنّه في حالة تطبيق ما يقال لدى المراجعات الرسميّة للدوائر فعلا، فإنّ هذا القرار قد يشمل شرائح واسعة من الناس، منهم من وصل إلى أعلى المناصب في الدوائر الحكومية ومنهم من خدم في القوات المسلحة وأجهزة الأمن وخضع للتجنيد الإلزامي.

فبحسب ما أفهم فهذا يتعلق بشريحة كانت تحمل هوية الاحتلال، ولكنها تعيش في الضفة الشرقية من المملكة أو في الخارج، منذ ما قبل فك الارتباط، وهؤلاء هم حملة البطاقات الصفراء، وغالبيتهم الساحقة ولدوا في الأردن ويعيشون حقوق وواجبات المواطن طوال عمرهم.

كانت زوجتي قد سبقتني للأردن من مكان إقامتنا وعملنا في الخارج لتحضير جوازات سفر منفصلة للأطفال لأتمكن من اصطحابهم إلى الضفة الغربية وإضافتهم "للهوية" هناك، وذلك من باب الحفاظ على حق الوجود العربي في فلسطين و"ليكحّلوا" عيونهم برؤية شق "الوطن" غرب النهر، لنفاجأ بتلك القصة عن ربط الجنسية الأردنية بقرار تتحكم به جزئيًّا إسرائيل!! (أي الحصول على الهوية للأطفال).

إنّ مخاوف كثيرين كانت فيما مضى تكمن في حظر جمع الجنسية الأردنية والفلسطينية، بخاصة أنّ ازدواج الجنسيّة العربية ممنوع، لنجد أن الوضع على النقيض.

هذا القرار سينشأ عنه بالتأكيد عنصر إيجابي هو المساعدة في الحفاظ على الوجود العربي في الضفة الغربية، وسيقطع الطريق على مساعي إسرائيل في تقليص الوجود العربي هناك. ولكن في الوقت ذاته لا يمكن إلا رؤية المخاوف من تطبيقه في داخل الأردن، وتحديدا فيما يتعلق بقضية تطور الهوية الأردنية إذا لم يطبق بحذر وشفافية.

تميل التغطيات الإعلامية للموضوع إلى التركيز على البعد الإنساني والحياتي للقرارات، ورغم أهميّة هذا الموضوع الكبرى والحاسمة أحيانًا، فإنّ كثيرين، أعتقد أنّي أحدهم، سيشعرون بالألم لأنّ مواطنتهم وهويتهم الوطنية المرتبطة بالأردن موضع مراجعة مستمرة.

عمّان التي ولدتُ فيها ليست مجرد مكان أعيش فيه، والأردن "قصة حياة". وأنا لم أعرف ثنائية "الأردني والفلسطيني" إلا في مرحلة متقدمة من حياتي، ولا أذكر أنّها نوقشت في بيتنا، أو مدرستي. وتعرفت على هذه الثنائية في مرحلة متقدمة لدى الدراسة الجامعية، وكنت ولا زلت أؤمن بأنّ جزءا كبيرا منها مصطنع.

لا بد من الإقرار أن نشوء إسرائيل من جهة، ووحدة الضفتين ثم فك الارتباط، وواقع التقسيم للدولة القطرية العربية في أعقاب الحرب العالمية الأولى، كل ذلك أوجد ارتباكا وجدلا حول الهوية، وهو ارتباك نفسي وعاطفي ورسمي وقانوني. ولكن الأردنيين من أصل فلسطيني، أو على الأقل غالبيتهم العظمى، وخصوصا الذين ولدوا ودرسوا وعاشوا في الأردن، ومن دون أن ينتقص ذلك من شعورهم الوطني بشأن فلسطين، طوروا هويتهم الأردنية، وأصبحت من مسلمات شخصيتهم وحياتهم، لذا تشكل مراجعة هذه المسلَّمة أمرًا صعباً وهزة نفسيّة تتعلق بثقتهم بتعريف ذواتهم.

بالنسبة لي كانت الأمور وما زالت محسومة، قبل أن يُطلَب إليّ إتمام الوثائق المطلوبة في فلسطين، وبعد أن أنجزتها. كانت هويتي الأردنية، التي لا تنتقص من أي هوية أخرى أعيشها، باعتبار غالبية البشر يعيشون في هويات رئيسية وفرعية متعددة ومتعايشة، أمرا مسلَّما به قبل أن أعيش التجربة، والآن فإنّ "ألم" التجربة والتفكير اللامنتهي والتردد بالكتابة والحديث في القضية، بعد كل هذا أصبحت قضايا الهوية في ذهني أكثر وضوحا لكثرة ما شغلت تفكيري.

لكن من واقع المناقشات الطويلة في موضوع "الجنسيّات" هذا، فإنّ الثابت أنّ هناك درجة من القناعة لدى الناس بأنّ الأمور تفتقر للوضوح، وأنّ هناك سوء فهم ممكناً في الأمر، وقد أقرَّ بعض كتاب الأعمدة بأنّهم وقعوا في سوء فهم في بحثهم للأمر.

من هنا فإنّ المطلوب أولا، مراجعة واضحة لمجمل الإجراءات المتبعة والمحددات القانونية لحملة بطاقة الجسور الصفراء، وثانيا بيان هذه المحددات بشفافية تتضمن توضيح عدد الحاصلين على هذه البطاقة، الذين هم على الأغلب شريحة صغيرة نسبيا، وتوضيح ما هو متوقّع منهم بحيث لا يصبح الموضوع خاضعا لاجتهادات وتفسيرات موظفين أو خاضعا للمبالغة أو الاستسهال أو سوء الفهم، وكل هذا حاسمٌ لقضية الهوية الوطنية الأردنية، ومهم جدا للتوصل لفهم للعلاقة بين الهويات الرئيسية والفرعية المختلفة.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الموضوع لا ينظر في القضاء (ملاحظة)

    الأحد 5 تموز / يوليو 2009.
    الى د تيسير
    لو كان الموضوع يسمح بطرحه للقضاء لما كان هناك مشكلة ولكن يعتبر الأمر خارج اطار صلاحيات القضاء
    والقضية هي قضية نسيج وطني واحد من شتى الأصول والمنابت
  • »القضاء (د.تيسير)

    الأحد 5 تموز / يوليو 2009.
    لماذا لا تذهبون الى القضاء؟
  • »الأمر ليس بسيطا (محمد علي)

    الأحد 5 تموز / يوليو 2009.
    الموضوع ليس تنظيميا...

    تصور شعور نصف المجتمع عندما يحسون بخطر فقدان الجنسية, مما يعني فقدان التعليم والصحة والعمل وحتى رخصة السواقة. أي امان اجتماعي سيبقى؟ هذا لن يؤدي الى شئ سوى بث البلبلة الاجتماعية بين الناس والعائلات
    وشكرا للنشر
  • »الامر ابسط من هذا بكثير (محمد علي)

    الأحد 5 تموز / يوليو 2009.
    هذه امور تنظيمية وليس اكثر
  • »انا اردني ولا اريد ان اكون غير ذلك (ابراهيم خطاب)

    الأحد 5 تموز / يوليو 2009.
    اشكر الكاتب على هذا المقال وقد كنت قد ارسلت الى رئيس التحرير بخصصوص هذا الموضوع فانا مواطن احمل الجنسيه الاردنيه ليسا اسما فقط بل هوية واعتزاز على مر الزمن وقد فوجئت عند مراجعتي لتجديد جواز سفري انهم يريدون مني الذهاب الى الضفة الغربيه للحصول على بطاقة جسور صفراء منفصله بما انني مرافق مع والدتي في بطاقتها وللعلم فانا لم اذهب هنالك الا مره واحد عندما كان عمري سنتين وانا الان لا استطيع انا او اي احد من افراد اسرتي الذهاب هنالك ولا استطيع الان تجديدي اي وثيقه احملها بسبب ذلك نرجو من المسؤولين واصحاب القرار اي يوضحوا لنا الامور ولكم جزيل الشكر