إبراهيم غرايبة

الحاجة أم القرحة

تم نشره في الجمعة 19 حزيران / يونيو 2009. 02:00 صباحاً

 

هل صحيح أن الحاجة أم الاختراع؟ أم أنها أم المصائب والأمراض والتنازلات والانحرافات والاكتئاب وسائر الآفات؟ في المثل الشعبي يقال "القلة تعلم الوذافة" أي الدناءة والمذلة، في الحاجات الشديدة الملحة واليومية للأفراد والمجتمعات لم نشاهد اختراعات علمية او تقدما اقتصاديا واجتماعيا أو إبداعا تقانيا وعلميا، والفساد والرشوة يتشكلان في بيئة من الحاجة، وكثير من الجرائم وقعت بسبب الحاجة الملحة.

ولكن الحاجة أم الاختراع بمعنى معرفة ما نريد، أو التطلع لتحقيق هدف محدد، أو تحديد ما ينقصنا ونحتاج إليه في الحياة والعمل ثم العمل على تحقيقه، فالفكرتان وإن كانتا صحيحتين فلأن المعنى يحمل على التلاعب بالكلمات.

التقدم (ويشمل ذلك الاختراع والإبداع) ليس نتيجة طبيعية للحاجة كما يبدو للوهلة الأولى، ولكنه عملية واعية للسؤال، أو هو السؤال، فالحاجة التي تؤدي إلى الاختراع هي السؤال.

فالفقر يمكن أن يكون مصدرا للإبداع إذا كان الفقير جعل من حالته مصدرا للإرادة والتصميم والتغيير، ولكنه ليس كذلك بالضرورة، بل إن الفقر المنشئ للإبداع والنجاح هو الاستثناء وليس الأصل، وفي المقابل أيضا فإن الوفرة والرفاه قد تؤديان إلى الكسل والهدر والضياع، ولكن ذلك هو الاستثناء وليس الأصل، فالحياة الكريمة التي يحظى فيها الإنسان ببيئة مشجعة من التعليم والصحة والغذاء والسكن والتقدير والانتماء والمشاركة والاحترام تنتج أفرادا أسوياء قادرين على مواجهة أعباء الحياة ومتطلباتها وناضجين في فهم المسائل وتقديرها، ولكن الاختراع الممكن هو كيف نحصل على حياة كريمة في ظل تحدي الموارد؟

كيف نواصل مع الفقر المحافظة على أسر متماسكة ومتعاطفة؟ كيف لا نجعل الحاجة سببا لعمالة الأطفال وتعنيفهم؟ كيف ندير مواردنا لنحصل بها على أفضل ما يمكن من احتياجاتنا؟

تدور اليوم نقاشات طويلة ومتشعبه في الطبقة الوسطى أو متوسطي الحال، هل نضحّي بأنفسنا وراحتنا لأجل ان نوفر لأبنائنا تعليما متقدما؟ أو لنوسع خياراتهم في المستقبل ونساعدهم على المشاركة في حياة مستقبلية بأدوات ومدخلات مناسبة وكافية؟..

هنا يمكن أن ينشأ مجال واسع لاختراعات في تعليم الأطفال وتنشئتهم بلا تكلفة كبيرة أو بتكلفة نقدر عليها، وهذه ميزة الطبقة الوسطى التي يجب أن تحافظ عليها الدول والمجتمعات والشركات (يا حسرتي على دولنا ومجتمعاتنا وشركاتنا) ففي وعيها وادراكها الواضح لاحتياجاتها تساعد الطبقة الوسطى الحكومات والمجتمعات والشركات على تدبير الموارد وتفعليها وتقليل الهدر ومواصلة الإبداع والتطور.

في المقابل، فإن الطبقة الوسطى في تقليدها للطبقات الغنية وفي محاولتها إقحام أو إشراك أبنائها في تنافس على التعليم والفرص مع أبناء الطبقات الغنية فإنها تدخل في معركة استنزاف لا تؤدي إلى الحصول على تعليم أفضل ولا تحقق سوى مزيد من الأرباح لمقاولي التعليم وأصحاب مدارس وجامعات!

تجمّع الطبقات الوسطى وإعادة تنظيم نفسها على أساس تطوير الخدمات الحكومية في التعليم والصحة وتفعليها والرقابة عليها والعمل التطوعي والمشاركة لرفع مستوى التعليم والصحة يمكن أن يؤدي إلى نتائج مبهرة ويحمي التعليم والصحة من تحولهما إلى مقاولات فجة وبسطات ومولات ودكاكين، وهذه هي القرحة الناشئة عن الحاجة.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »تفكير سلبي (عائشة ام يزن)

    الجمعة 19 حزيران / يونيو 2009.
    في البرمجة اللغوية العصبية تنبع الأهداف الإيجابية من تفكير إيجابي وروح وثابة للتقدم
    للأسف الكاتب صنع قواعد خاصة به وعممها وجعل الاستثناء أن يبدع الفقير والأصل أن يكون المبدعون من الطبقة الغنية المرفهة
    كذلك فإنه نفى أي دور للأفراد في تقدم المجتمعات لصالح الطبقةوهو تفكير سلبي جدا
    لو أننا قاومنا السلبية بالإرادة وبث الإيجابية لتغيرت حياتنا إلى أفضل مستوى
    كما أن الكاتب لم يذكر أي دليل علمي على ما تفضل به