الدعوة الى التغيير في انتخابات كردستان العراق

تم نشره في السبت 13 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

 

يستعد إقليم كردستان العراق لخوض ثالث انتخاباته البرلمانية في الخامس والعشرين من تموز (يوليو) المقبل. اللافت في هذه الانتخابات التي ستنطلق حملاتها الانتخابية في بداية الشهر نفسه، انها المرة الأولى التي يبرز فيها تيار سياسي وثقافي جديد، مغاير لما ألفناه في التقليد الكردي، يحاول زعزعة الموقع الذي تشغله أحزاب تاريخية في المشهد السياسي لكردستان العراق طوال نصف قرن الماضي.

في الحقيقة، ملامح تيار التغيير، أو بدقة أكثر، قائمة التغيير التي وافقت هيئة المفوضية العليا للانتخابات العراقية على الترخيص لها كقائمة انتخابية مستقلة، لا تزال ضبابية وغير واضحة. لكن النشاط الثقافي لزعيمها، نوشيروان مصطفى النائب السابق لأمين عام الاتحاد الوطني الكردستاني رئيس جمهورية العراق جلال طالباني، ينبئ أنها ستركّز على فكرة القضاء على ما تصفه بسيطرة الأحزاب الكبيرة على الحياة السياسية والثقافية والاقتصادية في كردستان العراق. معروف أن مصطفى لم يمارس، منذ استقالته عن عضوية المكتب السياسي للاتحاد الوطني قبل ثلاثة أعوام، أي نشاط سياسي. كما أنه لم يوجّه انتقاداً الى سياسات الحكومة المحلية أو الى الأحزاب الحاكمة. بل إن جلّ ما عُرف عنه أنه يطمح في الحلول محل طالباني في حال غياب الأخير أو عجزه عن ممارسة نشاطاته في قيادة الاتحاد. لهذا، جاء طرح القائمة بمثابة مفاجأة غير محسوبة. إذ توقع كثيرون أن يتحرك مصطفى سياسياً بعد غياب طالباني. لكن المفاجأة أنه تحرك في حضوره ووجوده الشخصي، ما يثير، بحسب أكثر من طرف كردي، أسئلة حول التوقيت. 

ِِِِفي الواقع، تنشط (التغيير) في محافظة السليمانية القريبة من الحدود الإيرانية، التي ظلت معقلاً لنفوذ طالباني منذ عام 1991. لكن الخلافات التي نشبت بين الأخير ونائبه في عام 2005، أدت الى تزايد النشاط الإعلامي والثقافي لمصطفى في السليمانية وانتقال بعض انعكاساتها الى مدن أخرى في مناطق كردية غرب مدينة كركوك. مع هذا، ظل طالباني مهيمناً بقوة على السليمانية، خصوصاً بعد توطيد تحالفاته مع رئيس إقليم كردستان العراق مسعود بارزاني في عام 2006.

استطراداً، تأمل (التغيير) في أن تساعدها مظاهر محددة للفساد المالي والإداري في بعض الأجهزة الحكومية الكردية، والضبابية السياسية التي تلف الوضع الكردي بشكل عام، إضافة الى الصعوبات المالية التي تعيشها كردستان العراق جراء حجب الحكومة الفيدرالية ميزانية عام 2009 المالية (17 في المائة) عنها، في أن تساعدها في زيادة وتيرة التذمر والاستياء بين المواطنين ودفعهم الى هجرة الأحزاب التي ألفوها تاريخياً والتحوّل نحو قائمة التغيير.

في هذا المضمار، تأمل(التغيير) في الحصول على أكثر من ثلاثين مقعداً من مجموع 111 مقعدا في برلمان كردستان العراق. قناعتها أن هذه المقاعد ستساعدها في الدفع نحو الإصلاحات وذلك عبر قيادة ائتلاف مؤثر مع أحزاب صغيرة، إسلامية وعلمانية قد تحصل بدورها على نحو عشرين مقعداً. بل يمكن أن تساعدها في مدّ نفوذها الى داخل قيادة الاتحاد في حال قرر طالباني البقاء في بغداد والترشح  لولاية أخرى.

بعيداً عن كل هذه التفاصيل، تحمل الديموقراطية الناشئة في كردستان العراق قدراً كبيراً من المفاجآت كأي تجربة ديمقراطية أخرى. كما أن أجواء الصراع والتعددية السياسية التي برزت في الحياة العراقية منذ زوال النظام السابق، أصبحت تعكس تأثيرات ملموسة على الوضع الداخلي الكردي خاصة لجهة صبّ الزيت على المنافسات السياسية الكردية. مع هذا، يصعب التأكيد أن القائمين على قائمة التغيير قرأوا، بدقة وموضوعية، أحوال كردستان العراق ومزاج الناخب الكردي وأراءه وخياراته.

في هذا الإطار، يؤكد أكثر من مراقب محلي أن الناخب الكردي يعيش قناعة مؤداها أن المكاسب السياسية والاقتصادية التي حصل عليها خلال الأعوام الستة الماضية مهددة بأكثر من خطر داخلي وعراقي وإقليمي. فالجوار الإقليمي، خصوصاً التركي والإيراني، ما يزال يشكل خطراً داهماً. أما العلاقات مع بغداد، فالواضح أنها تعيش أزمة حقيقية، منذ أكثر من عام، من أهم مظاهرها: الخلافات العميقة بين الطرفين حول إدخال تعديلات على الدستور الدائم ومحاولة بغداد تقليص الدور الكردي في الحياة السياسية العراقية وإلغاء المادة 140 من الدستور، الخاصة بكركوك والمناطق المتنازع عليها. واحتمال نشوء توترات عسكرية دموية في مدن مثل الموصل وجلولاء وخانقين. هذا، إضافة الى ملفات عالقة أخرى بين الحكومتين كالخلافات المتعلقة بالميزانية المالية وقوات البيشمركه وصناعة النفط والأجهزة الأمنية.

علاوة على هذا، يعيش الناخب الكردي رجفة انسحاب القوات الأميركية من العراق. فانسحاب كهذا قد يصعّد التهديد الإقليمي ضد كردستان. كما أنه قد يزيد من مخاطر الإرهاب الداخلي ويضاعف العراقيل أمام حملة العمران والتنمية الاقتصادية والتجارية الجارية في كردستان العراق. فأميركا في ظل أوباما لم تعد أميركا نفسها التي كانت في ظل الرئيس السابق جورج بوش. إذ أصرّ الأخير على إبقاء قواته العسكرية في العراق لحين استكمال عملية إعادة التعمير والقضاء على الإرهاب وحل المشكلات بين المركز والأطراف. لكن أوباما الذي تهمّه إزالة السمة الدموية عن وجه السياسة الخارجية لبلاده في الشرق الأوسط، لا يحفي رغبته في سحب سريع من دون إيلاء اهتمام كاف بما يمكن أن يكون عليه العراق في مرحلة ما بعد سحب القوات. لكل هذا، يرى الناخب الكردي أن إخضاع الحياة الإدارية والسياسية الكردية الحالية الى تغييرات عميقة كالتي تطالب بها قائمة التغيير، ليس بعملية عقلانية ولا يمكن أن يخدم القضية القومية والوطنية الكردية. فالمصلحة العليا، في رأي الناخب، تقتضي الحفاظ على ما هو متحقق في كردستان العراق لحين استقرار الأوضاع في العراق والشرق الأوسط. أما إحداث تغييرات، عميقة وجوهرية في المشهد السياسي الكردي الراهن، فلا يمكن أن يؤدي في محصلته النهائية سوى الى قلب الطاولة على الجميع. هذا فيما المطلوب من قادة قائمة (التغيير) أن لا يقحموا الناخبين الأكراد في خلافاتهم الحزبية مع قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني.

التعليق