طريق الهند الجديد إلى العظمة

تم نشره في الأربعاء 3 حزيران / يونيو 2009. 03:00 صباحاً

سنغافورة- ليس من الحكمة أن نقلل من الأهمية شبه الميتافيزيقية للانتخابات الهندية الأخيرة. فقد ساعد الجمهور الانتخابي الهندي على نحو حاسم في دفع تاريخ العالم في الاتجاه الصحيح، وذلك بإعادة انتخاب الشراكة القائمة بين مانموهان سينغ وسونيا غاندي، اللذين أصبح لديهما الآن من الصلاحيات والسلطات ما يسمح لهما بالضغط من أجل المزيد من الإصلاح والتحرر على الصعيد الاقتصادي. والآن سوف ينطلق النمر الهندي الناشئ. ولا شك أن تزامن نهضة الصين والهند من شأنه أن يعزز من قوى التحديث والاعتدال على مستوى العالم. وفي وقت الأزمة العالمية فلا بد وأن يحتفي العالم بهذه الدفعة الجديدة من الطاقة.

الحقيقة أن أحداً لم يتوقع هذه النتيجة المذهلة، بل لقد استخف أغلب المراقبين بقدرة الناخبين الهنود، الذين أدركوا الفوائد العديدة المترتبة على هذه الشراكة بين سينغ وسونيا غاندي. فقد أسهمت حكومة حزب المؤتمر أولاً وقبل كل شيء في إحياء التقاليد العلمانية المعتدلة التي تبناها جواهر لال نهرو وأعادت الهند بقوة إلى الوسط السياسي، وانتزعت الحكم من المتطرفين الطائفيين والإيديولوجيين.

ثانياً، أدرك الناخبون أهمية إعادة انتخاب الزعيم المتواضع الحكيم القوي العزيمة الذي أدرك الاتجاه الذي يتعين على الهند أن تسلكه. ولا شك أن سينغ سوف يزيد من انفتاح الاقتصاد الهندي. وكما قال ذات مرة: "رغم السوق المحلية الضخمة التي تمتلكها الهند إلا أن تجربتنا مع السياسات السابقة المنعزلة نسبياً، وكذا التجربة العالمية في هذا الصدد، تشير بوضوح إلى إمكانات النمو التي يوفرها التعاون التجاري والاقتصادي مع الاقتصاد العالمي".

وأخيراً، سوف يواصل سينغ إعادة إشراك الدول المجاورة للهند في آسيا والدفع نحو المزيد من التعاون الإقليمي. في عام 1995 قال سينغ: "إنها هذه الرؤية للهند المنبعثة من جديد وهي تحتل مكانها الذي تستحقه بوصفها محركاً لتوليد الطاقة الاقتصادية في آسيا وهي التي ألهمت سياساتنا الاقتصادية". وكما وقعت الصين على اتفاقية التجارة الحرة مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (ASEAN)، فسوف تسعى الهند إلى تحقيق الغاية نفسها. ولسوف تكتسح قارة آسيا عملية من التحرير الاقتصادي التعاوني، الأمر الذي من شأنه أن يضمن استمرار النهضة التي تشهدها المنطقة.

وسوف تكون الثقة الثقافية الجديدة التي اكتسبتها الهند دافعاً لكل هذا. في الخمسينيات والستينيات كان عدد قليل من الهنود البارزين يؤمنون بأن بلدهم قد يتمكن ذات يوم من منافسة البلدان المتقدمة صناعياً. ومن ثم فقد كان نادي الصناعيين في مومباي ميالاً إلى الحماية على نحو متأصل. واليوم أصبح رجال الصناعة نفسهم يؤيدون الإصلاحات التي تبناها سينغ، بعد اقتناعهم بأن الهند أصبحت قادرة على منافسة الأفضل.

غير أن الهند ما تزال تواجه العديد من التحديات: ثلاثمائة مليون مواطن هندي يعيشون تحت خط الفقر، والمتمردون الشيوعيون المسلحون، وخطر وقوع هجمات إرهابية على غرار ما حدث في مومباي، وانتشار الأحياء الفقيرة القذرة في المناطق الحضرية. فضلاً عن ذلك فكيف سيعمل سينغ على موازنة التسوية بين السياسات الداعمة للسوق والسياسات المناصِرة للفقراء؟ وكيف سيتمكن من التعامل مع تطلعات الطبقة المتوسطة المتنامية المطالبة ببنية أساسية أفضل، وتحسين قدرتها على الحصول على الرعاية الصحية والتعليم، وتوفير الإمدادات الكافية من الطاقة الكهربية والمياه النظيفة، وزيادة كفاءة مرافق النقل؟

لا شك أن هذه المشاكل لن تُـحَل بين عشية وضحاها. ولكن الاقتناع المتزايد بأن الغد سوف يكون أفضل من شأنه أن يساعد على استقرار السياسية الهندية. وقد تكون هذه هي النتيجة الأكثر أهمية للانتخابات الهندية: خمسة أعوام أخرى من الاستقرار السياسي والإصلاح الاقتصادي، وهو ما من شأنه أن يخلق حلقة حميدة لا رجعة فيها من النمو الاقتصادي والاعتدال السياسي.

سوف تنمو الطبقة المتوسطة في الهند بسرعة، وهو ما سيزود البلاد بثِقَل موازنة يساعد على إبقائها على ركائز مستوية طيلة العقود القليلة المقبلة. وهناك إحصائية أخرى جديرة بالذكر. ففي المرحلة الحالية من تنمية الاقتصاد في العديد من البلدان الآسيوية، من الممكن أن تؤدي زيادة مقدارها 10% في الدخل المتوسط إلى مضاعفة تعداد الطبقة المتوسطة. والواقع أن تحقق هذه التوقعات بات وشيكاً.

كان من قبيل الصدفة المحضة أن يُـقتَل زعيم نمور التاميل فيلوبيلاي برابهاكاران وأن يٌقضَى على هذه الحركة في الوقت نفسه الذي ذهب فيه أفراد شعب الهند إلى صناديق الاقتراع. ولكن لا ينبغي لنا أن يفوتنا المغزى من هذا الأمر. إذ أن برابهاكاران، وليس تنظيم القاعدة، هو الذي اخترع التفجيرات الانتحارية. والقضاء عليه يؤكد أن نهر الإرهاب الذي أطلقه على التاريخ الإنساني كان عبثاً لا طائل منه.

ولكن إذا كان رئيس سريلانكا ماهيندا راجاباكسا يريد القضاء على روح الانفصالية التاميلية فلابد وأن يتبنى ثقافة سينغ في الاعتدال السياسي. والحقيقة أن راجاباكسا كان حكيماً حين تحدث ببضع كلمات بلغة التاميل أثناء إعلانه عن النصر على نمور التاميل. ولابد وأن يتابع هذا الجهد الآن بالعمل على خلق بيئة منفتحة شاملة، كبيئة الهند، قادرة على تمكين كل من السنهاليين والتاميل على التعايش والازدهار.

وتظل باكستان تشكل التحدي المنفرد الأكبر الذي يواجه الهند. ولا شك أن سينغ يتمتع في هذا الصدد بالحدس الغريزي السليم. فهو يريد لباكستان النجاح كدولة معتدلة حديثة. وهو لا يريد المزيد من الحروب. غير أن هذا الحدس الغريزي من الممكن أن يتعزز بالسياسات الحكيمة طويلة الأمد.

وتستطيع الهند أن تستفيد من نجاح التجربة الصينية في التعامل مع مشكلة تايوان. ففي ذروة التوتر، وحين وجدت الصين أن التسامح مع حكومة لي تينج هوي أمر غير ممكن، لم تكف الحكومة الصينية رغم ذلك عن متابعة سياستها في احتضان الشعب التايواني ورجال الأعمال التايوانيين. ومع الوقت أدت هذه السياسة الحكيمة إلى نشوء شبكة قوية من الترابط الاقتصادي، وهو ما أدى بدوره إلى تعزيز الاستقرار.

وسوف يكون من السهولة بالقدر نفسه أن يحتضن الشعب الهندي أخاه الباكستاني، فهما ينتميان إلى الأصل نفسه. ونظراً لانتمائي إلى العِرق السندي فأنا أشعر بامتداد نسبي إلى الشعبين. وحين أتواجد في أي تجمع دولي فأنا أندهش حقاً إزاء السهولة التي ينجذب بها كل من الهندي والباكستاني بشكل طبيعي نحو الآخر. إن الانقسامات السياسية مصطنعة وغير حقيقية، والوحدة الثقافية طبيعية وأصيلة.

إن أهل باكستان قادرون بسهولة على العمل مع الاعتدال السياسي الذي تتسم به حكومة سينغ. والحقيقة أن الروح المنفتحة التي يتحلى بها سينغ والرئيس الأميركي باراك أوباما في التعامل مع العالم الإسلامي ربما وفرت الفرصة الأمثل لإيجاد حلٍ سياسي دائم للمشكلة الهندية الباكستانية.

وباختصار فإن إعادة انتخاب حكومة سينغ أسهمت في جعل العالم مكاناً أقل خطورة وفتحت الباب أمام العديد من الفرص. والواقع أننا من الصعب أن نتخيل رئيس وزراء للهند أفضل من سينغ، فهو واحد من أفضل خبراء الاقتصاد في العالم. ولقد أثبت في الوقت نفسه أنه يتمتع بأعصاب من حديد حين رفض الخضوع للضغوط الشديدة الرامية إلى حمله على التنكر للاتفاقية النووية بين الهند والولايات المتحدة. لقد تمسك سينغ بموقفه ونال النصر. والفوائد المترتبة على تصميمه وصدق عزيمته لن تتمتع بها الهند فحسب، بل والعالم أجمع.

*عميد كلية لي كوان يو للسياسة العامة بجامعة سنغافورة الوطنية. وأحدث مؤلفاته كتاب بعنوان "نصف الكرة الأرضي الآسيوي الجديد: التحول الحتمي للقوة العالمية نحو الشرق".

-خاص بالغد بالتنسيق مع  بروجيكت سنديكيت، 2009.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »لا يهمنا (علي راضي ابو زريق)

    الأربعاء 3 حزيران / يونيو 2009.
    نحن العرب لا مصلحة لنا إطلاقا بتنامي قوة الهند والصين الصناعية إلا من حيث حصولنا على سلع رخيصة مقارنةبالأسعار التي سندفعها لو اشترينا نفس البضاعة مصنوعة بدول الغرب. وقد لا تكون البضاعة الأرخص بنفس الجودة. وأعيد القول أن لامصلحة لنا بتنامي القوتين المذكورتين إلا من حيث إذكاء روح تنافس تنعكس لصالحنا مؤقتاً لأن كلا الدولتين تصرف بروح راسمالية لا تقل توحشاً عما تبديه الراسمالية الغربية الجشعة عندما صوتتا بل حرصتا بكل قوة على إلغاء سياسة الحماية التي تحتاجها الدول النامية وذات الحظ الأقل اقتصادياُ. ومعظم الدول التي يحتاج انتاجها حماية هي دول عربيةأو إسلامية أو إفريقية. فلم تبال الصين والهند بمصالح الفقراء وتحالفت مع أعداء الإنسانية طمعاً بالربح! فأي خير يرجى من هؤلاء؟؟؟وأي توجهات إنسانية ترجى منهما؟؟