التجاوز على الدولة

تم نشره في السبت 30 أيار / مايو 2009. 03:00 صباحاً

 

تصريحات وزيرة تطوير القطاع العام نانسي باكير (الغد: 29/5/2009) في ورشة عمل نظمتها جامعة اليرموك تحت عنوان "آليات الوصول إلى قدرات مؤسسية كفؤة ومؤهلة" والتي بينت أن دراسة مسحية أجريت  العام 2006 كشفت بأن "ثلاثين ألف موظف تم تعيينهم على بنود مخالفة لأصول ملء الشواغر والبقية لا قيود لهم" تضعنا أمام حقيقة صارخة لا مجال لتجاهلها عنوانها التجاوز على القانون والدولة وتغييب العدالة.

التعيينات التي تتم بشكل يتجاوز القانون والسلم الوظيفي والمعايير اللازمة لملء الشواغر لها ثقافة أنتجتها وقادت إليها، وهي ثقافة الاستقواء والمحسوبية والتي آلت بمشهد القطاع العام الأردني إلى الترهل والتخبط، لا بل إن بعض الوظائف تقترب من حد الكفر والفسق والفجور لما تشكله من تعد صارخ على حق الناس وحق الدولة؛ لأن القوى الغالبة، سواء تمثلت في أبٍ وزير أو رئيس وزراء أو شيخ عشيرة أو نائب يهدد بعرض ملف فساد ما، بقدرة قادر يصبح أحد أبنائها مفوضا في العقبة براتب خيالي أو مساعدا لرئيس جامعة أو مديرا لهيئة ما أو أمينا عاما لوزارة. وذاك السبب قد يحول سكرتيرة أو مديرة مكتب إلى وزيرة وكل ذلك بموجب التعليمات.

والحقيقة اللازمة الموجعة هي أن الحكومات السابقة والحالية مشتركة بهذا الجرم الذي ضيع سمعة البلد، واوجد الفوارق وصنع الكراهية وباعد بين انجاز الشرعية والمواطنة لمصلحة الإقطاع ولصالح ثقافة المحسوبية والمناطقية والنزعة السلالية التي تتحول إلى قوة غالبة تسلب الحق من أي كفاءة، وتصيّره باطلاً وتجعل غير المؤهل موضع أحقية، وتصور من يستحق وكأنه غريب مقبل من كوكب آخر.

 الثقافة ذاتها هي التي أتت بمجلس نواب غير مؤهل، وتأتي بوزراء ليس في سجلهم إلا أن آباءهم وزراء، والثقافة ذاتها تحول دون تعيين موظف في جامعة ما لأنه ليس ابن المنطقة، والثقافة ذات تُحوّل بعثة دراسية عن ابن فراش أو مدرس إلى ابن رئيس أو متقاعد كل مؤهلاته وأفضلياته أنه "كان يخدم البلد" في حين أن ابن الفراش أو المدرس الغلبان يُسلب حقه.

ثلاثون ألف شاغر مُلئت بغير حق وبشكل مخالف، هي حصيلة مؤلمة لواقع ومسار تجربة القطاع العام الذي لم يبق منه إلا الاسم؛ لأنه تحول إلى مزارع ومساحات أشبه بالواجهات العشائرية.

ثلاثون ألف وظيفة هي حق لآخرين، كان ممكنا أن يكونوا موجودين بها اليوم، والنتيجة المترتبة على ذلك هي أننا لن نستطيع التحدث لمن سلب حقهم في بعثة أو وظيفة عن المواطنة والعدالة، والأصعب من كل ذلك أننا بذلك السلوك خسرنا ثقة ثلاثين ألف أسرة بالدولة ومؤسساتها.

الحكومات كلها مشتركة في الجريمة، وآخر التقليعات التي أوجدتها الحكومات الأخيرة مسمى وظيفة المفوض. والمفوضون اليوم طبقة، يتقاضون أعلى الرواتب وكل ذلك طبعا بموجب نظام اقل ما يقال عنه إنه نظام مصالح. والمفوضون يكادون يملأون المؤسسات في العقبة الاقتصادية وفي الاتصالات. وآخر منجز التعيينات الكبرى في هيئة المناطق التنموية التي أعطت مديرها راتبا مقداره ثمانية آلاف، في حين راتب رئيس أي جامعة رسمية قضى ثلاثين عاما بالخدمة والبحث لا يتجاوز 2800 دينار.

أخيرا ثقافة التجاوز والأخذ بغير حق هي ذاتها التي تمنح النواب عددا من البعثات الدراسية ويذهبون مع رئيسهم لمناقشة رئيس الوزراء بزيادة عددها كي تمكنهم الدولة بأدواتها من ممارسة الاستقواء عليها، وهي ذاتها التي تمنحهم مقاعد للحج كي يعود ذلك على الحكومة بالثقة الكبيرة المباركة التي تبقيها غالبة إلى حين، علما أن لا غالب إلا الله وهو حسبنا ونعم الوكيل.

mohannad.almubiadin@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »حزن (سواح)

    السبت 30 أيار / مايو 2009.
    ثقافة تجاوز الدولة
    يا اخي لما شباب يروحو يكسرو محطة ويضربو الي فيها
    هذا كمان تجاوز يا دكتور
    وشو صارلهم ؟؟؟
  • »صح السانك (محمد الحسنات)

    السبت 30 أيار / مايو 2009.
    صح السانك د مهند ، وحسبى الله ونعم الوكيل ،هذا في دراسة وكمان في 2006 ،اكيد الواقع اكثر مراره
  • »لا حول ولا قوة الا بالله (معين)

    السبت 30 أيار / مايو 2009.
    عزيزي د.مهند
    اذكرلي أي مؤسسة أو دائرة أو حتى بلدية لم يشملها الفساد.
    ما هو الحل؟
    لقد أعطى سيد البلاد الضوء الاخضر للبدء بعملية الاصلاح وهي:
    1.خصخصة الشركات الكبرى التي كانت عبئاً على الدولة والتي كان المتنفذون يستنزفون أموالهاحتى النخاع، تصور أن الملكية كانت مديونة ب 500 مليون قبل بيعها كانت الدولة تدفعها من جيوب دافعي الضرائب وبعد بيعها تحولت الى مؤسسة رابحة بلغت أرباحها للعام الماضي 200 مليون دينار.
    2.لماذا لا نلغي تجربة انتخاب البلديات الفاشلة ونعود الى تعيين مهندسين كفؤين كما عمل به سابقاويكفينا بشاوات ومديونيات وسوء تنظيم واضح للعيان في كل بلديات المملكة.
    3.لماذا لا ندرس تجربة الصين كمثال يحتذى به ونبني عليه ونستفيد به من أجل بناء تجربتنا الخاصةبنا.
  • »تعليق بسيط (كفاح الجبلي)

    السبت 30 أيار / مايو 2009.
    إسمحلي استاذ مهند ان اشير الى قضية مهمة .. لقد تحدثت عن العامل الثانوي فيما يحدث لتعينات القطاع العام ، لكن ثمة عامل اساسي لم تشر له ..

    السؤال الذي ضربت عنه صفحا هو .. هل لهذه الوظائف حاجة من أصله ام انها مجرد مظهر من مظاهر البطالة المقنعة ؟!!!

    اجابة السؤال تحيلك لاحد اهم اسباب "التوظيف الجائر" ..

    الاجابة بتصوري هي لا ،، ليس لهذه الوظائف مبرر او حاجة من أصله ، سواء حالت على من يستحقها و بالتنافس او بالواسطة ، هي ليس لها حاجة .. اما لماذا يتم التعيين فيها،، فهنا مربط الفرس و بيت القصيد ..

    ما يحصل ان الدولة لدينا هشة بالمفهوم التنموي ، فليس ثمة قطاعات صناعية او زراعية رائدة و مصانع تشغل الايدي العاملة و تمتص حجم الخريجين المتزايد ، لذا فإن امتصاص العاطلين عبر أنظمة غير قانونية مثل المياومة و غيرها امر واجب على السلطة لكي لا يتحول هؤلاء العاطلون الى قوى ناقمة على السلطة و راديكالية بالمعنى الحقيقي للكلمة ..

    الدولة اذن تحل مشاكلها عبر تأجيل حلها !! فعامل المياومة الذي حاولت حل مشكلته و تحييد اي مسعى للمنكافة عنده ، تحول الى مناكف من طراز اخر ، و اضرابات هؤلاء تشهد بذلك .

    المشكلة مركبة ، فالدولة الهشة تنمويا و التي لم تفكر يومافي تطوير اقتصاد قوي و روافعه ذاتية يقوم على التصنيع و الزراعة ، لا تفكر كثيرا في تقليل اعداد الخريجين الجامعيين ، بل هي حولت التعليم الى سلعة يستطيع شرائها من يستطيع الدفع بغض النظر على جدارته ، و ازدياد اعداد الخريجن فاقم المأزق بما لايقاس ...

    ان الحل لترهل القطاع العام هو في تطوير بنى اقتصاد ذاتي قوي يتمكن من امتصاص حقيقي للعاطلين من جهة و ايقاف مسرحية التعليم الخاص بالالية التي يجري فيها و اعتماد فحص القبول في الجامعات و التخصصات واعادة النظر في نظام الموازي و غيره لاعادة توجيه قوى العمل الشابة و الغير مؤهلة للدراسة الجامعية نحو المهن ، بالتوازي مع تطوير الاخيرة ...
  • »قديم !!! (Firas M.Fatoum)

    السبت 30 أيار / مايو 2009.
    المثل قال "إمسحلي تاأمسحلك" شكرا دكتور بس وين الحل...؟؟؟؟
  • »التجاوز على الدوله لمهند مبيضيين (المحامي خالد الشبلي العبادي)

    السبت 30 أيار / مايو 2009.
    عزيزي د.مهند اسعد الله اوقاتك بكل الخير والمحبه...
    مقال رائع وممتاز لدرجة انه سيفتح عليك عش الدبابير وخصوصا تلك التي تتبنى الفساد والواسطه والمحسوبيه... اعانك الله يا صديقي على تبعات هذا المقال الناري والممتاز..
    صديقي استمر رغم ان الطريق طويل.. ولك كل المحبه.
  • »صح النوم (عرد رجال)

    السبت 30 أيار / مايو 2009.
    لا يجدر بنا ابناء الاردن الانتظار حتى تخرج علينا وزيرة للقطاع العام(مع العلم ان الوزيرة نفسها اخر من يتحدث في تطوير القطاع العام)

    روجو شوفوالجامعات الحكومية عبارة عن مزارع لرؤسائها بدأ من الهاشمية الى البلقاء التي اتخمت من تعيينات المناسف وبعثات رد الجميل والضغط الى ال البيت الايلة للسقوط الى التكنو المتجهة الى الزوال
    حسبنا الله ونعم الوكيل
    والادهى والامر في زيادة صلاحيات مجالس الامناء
    اكتب يا مهند وتجرا ولا تخف في الله لومة لائم
    والله يكون في عون الملك على السلطة التنفيذية من بابها لمحرابها
    فلو انهم يعملوا باقل درجات الذمة والخوف على البلد لما يضطر ملك البلاد للتخفي وزيارة المؤسسات
    كان الله في العون
  • »التجاوز على الدولة (داود البوريني)

    السبت 30 أيار / مايو 2009.
    الدكتور مهند مبيضين المحترم ... هذا كلام في الصميم ، لكن من يغضب من هذا الطغيان ليس فقط ثلاثون ألف أسرة . إن لهذه الأسر جيران و عشائر و عائلات مما يرفع العدد إلى مئات الآلاف . لماذا يسمح لغول الفساد بأن يعبث بأمن البلاد و امانة و سمعته و مستقبله؟؟ و هل صحيح أن مؤسسة الفساد هي أقوى مؤسسة في البلد؟
    إن مقالك يوحي بأنها أخطبوط و هي كذلك فعلاً ، لقد أصبح بإمكان مؤسسة الفساد هذه أن تركّب الجبل على الجمل و أن تصنع له هودجاً مزركشاً أيضاً ... مرة أخرى القضاء العادل و القوي و النزيه هو المعيار و هو الحل و الذي يجب أن يكون قادراً على انتزاع حقوق المواطن و المواطن الضعيف قبل القوي من الحكومة إن هي تغوّلت...
    و اخيراً...فان العدل أساس الملك بما يمثله من استقرار و تنمية و عزة و كرامة و قوة و منعة فإن ضُربت العدالة بين الناس بكل معاييرها ضعنا جميعا لا سمح الله ...