إبراهيم غرايبة

الاستماع: العلم بين اثنين

تم نشره في الاثنين 25 أيار / مايو 2009. 02:00 صباحاً

في اجتماعات العمل ولقاءات الحوار والنقاش يمكن للاستماع أن يختصر الوقت ويجعل الاجتماعات ذات جدوى وأهمية في تنظيم الأفكار والنقاط والتفاوض عليها

عندما بدأت أدرب نفسي على الاستماع الدؤوب لمحدثي بدأت تتشكل لدي حالات جديدة من المعاناة والفهم والقصص، يشعر المتحدث بارتباك واستغراب، ويسألك ما بالك، فتقول له إني مستمع، والواقع أنك عندما تستمع بإصغاء لمحدثك فإنه سينهي معظم ما لديه من أفكار في دقائق قليلة، ويبدأ ينتظر ردك، وهنا سينتهي سيناريو معد مسبقا لمعظم النقاشات التي تجري في عالمنا، فأنت بإصغائك تمنحه الحرية ليقول كل ما يريد فتكتشف ويكتشف هو أيضا أن الموضوع لا يحتاج سوى دقائق قليلة لعرضه، وأنت أيضا تحرر المسألة في نقطة واحدة أو نقاط قليلة فتعرض وجهة نظرك، وتلاحظ أنكما متفقان تقريبا، وأن الخلاف يقتصر على مسائل جزئية محددة، ولولا إصغاؤك التام لمحدثك لما اكتشفت ابتداء نقاط الخلاف، ومضى النقاش في مسار أقرب إلى المتاهة من الأفكار والردود التي تبتعد عن الموضوع الأصلي للنقاش والخلاف، وهنا تلاحظ بأنكما تتعلمان من بعضكما أشياء جديدة، وتطوران أفكارا وملاحظات لا يمكن لأحدكما أن يحصل عليها لو أمضى وحده فترة طويلة في القراءة والبحث.

وفي اجتماعات العمل ولقاءات الحوار والنقاش يمكن للاستماع أن يختصر الوقت ويجعل الاجتماعات ذات جدوى وأهمية في تنظيم الأفكار والنقاط والتفاوض عليها، وتحديد ما أمكن التوصل إليه وما بقي عالقا، وإعداد محضر يحدد بوضوح البنود التنفيذية التي تحتاج إلى متابعة أو تحويلها إلى برامج واتفاقات وقرارات.

وفي العمل الصحافي فإن الاستماع والسؤال يجعلان اللقاء ممتعا ومفيدا للمشاهدين والقراء وللضيف أيضا، وقد شاهدنا حالات كثيرة يمدح الضيف الصحافي بسبب أسئلته وملاحظاته التي يراها تطور الحوار وتوصل الضيف نفسه إلى أفكار ومواقف جديدة، وشاهدنا أيضا لقاءات يغلب عليها السجال العقيم والمقاطعة المزعجة والتوتر على نحو لا يفيد أحدا، وذلك لسبب بسيط وواضح أن الصحافي لم يستمع ولم يعرف عما يتحدث الضيف أو ماذا يريد أن يقول، ولا يعرف القارئ والمشاهد ما هو الاتفاق والخلاف، وقرأت مرة للدكتور غازي القصيبي عن ضيقه الشديد من أساليب الصحافيين في المقاطعة والنقاش إلى درجة منفرة.

وفي الجلسات والزيارات العفوية تنشأ ضغائن وجفوة بسبب عدم قدرة الناس على التواصل، ولكن المسألة هنا في غاية التعقيد، ولا تحل بالإصغاء ومحاولة التحادث، فالمجالس مغارف كما يقال، وتكشف عن قصص كثيرة من آلام الطفولة وصعوبات التعلم، والاستغراق في الذات وأوهامها، نحن بحاجة هنا إلى معرفة الذات، وكيف نعرف العالم أيضا، فمعرفة الذات تؤدي إلى الشفاء كما يقول علماء النفس، وفي الإنجيل أيضا "الحقيقة تحرركم"، ففي الأحاديث العفوية والمجالس غير الرسمية يعبر الناس على نحو لا يدركونه تماما عن كثير من المشكلات الخاصة بهم وتطلعاتهم وأحلامهم وإن كانوا يتحدثون عن السياسة والدين أو الأسعار والمكافآت والرواتب، ولكنها حالات تمثل مصدرا للتفكير في الإصلاح والتنمية لأن المجتمعات في نهضتها وإصلاحها تحتاج إلى أعضاء منتجين وأسوياء، وإذا كانت الأرقام التي نشرتها الصحف عن حالات الأزمة النفسية والضغوط، فنحن بالفعل أمام أزمة كبيرة تنعكس على كل مفردات حياتنا، اتجاهات الاستهلاك وأزمات الطرق وحوادث المرور على سبيل المثال!

واليوم في مرحلة اقتصاد المعرفة ومجتمعاتها والتي تقضي بأن يعلم الإنسان ذاته وعلى نحو مستمر متطلبات الأعمال الجديدة ومتغيراتها ومهاراتها الكثيرة والمعقدة في كثير من الأحيان فإن ذلك يقضي بالضرورة وجود الإنسان الذي يرتقي بنفسه ويعالج نفسه بنفسه ويعمل بنفسه ولنفسه أيضا، لأن المدارس والجامعات ومؤسسات العمل ستكون عاجزة في المرحلة الانتقالية على الأقل عن استيعاب المتطلبات والمهارات العلمية والنفسية التي يحتاجها الاقتصاد الجديد والأعمال الجديدة.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »آداب وأســـــــــس الحــوار النــاجح (ماهر شحاده)

    الاثنين 25 أيار / مايو 2009.
    شكرا للاستاذ ابراهيم على انتقاء موضوع مهم كهذا الموضوع والذي وجه فكري وتخيلت مايحدث في كثير من حواراتنا . خصوصا التي وصفها كاتبنا " بالجلسات والزيارات العفوية " وكيف انها تسبب " ضغائن وجفوة بسبب عدم قدرة الناس على التواصل، ولكن المسألة هنا في غاية التعقيد""،
    احببت ان اكتب عن ادب او آداب الحوار لعلنا بالالتزام بها نتجاوز اولا الخلاف ونصل الى نقة سواء وسط بين الاثنين ................

    فالحوار والتواصل
    هو القدرة على التفاعل المعرفي والعاطفي والسلوكي مع الآخرين، وهو ما يميز الإنسان عن غيره؛ مما سهل تبادل الخبراتوالمفاهيم بين الأجيال ويتم التواصل من خلال عمليتين
    هما: الإرسال (التحدث) والاستقبال (الاستماع)

    2- أدب الاستماع
    يعد حسن الاستماع من أهم شروط التواصل الناجح مع الآخرين ويفيد الطرفين في استمرار الحوار والتواصل وشعور المتحدث بارتياح واطمئنان وشعور المستمع بالفهم الجيد والإلمام بموضوع الحوارمما يمكنه من الرد المناسب. ولتحيق الاستماع الجيد لا بد من توفر شروط منها:

    * إقبال المستمع نحو المتحدث
    * عدم إظهار علامات الرفض والاستياء
    * عدم الانفعال أو إعطاء ردود فعل سريعة ومباشرة قبل إنهاء المتحدث كلامه؛ كي يستمرالمتحدث في الاسترسال ويستمر التواصل

    3- أدب الحديث
    ويكون بالإقبال نحو المستمع، وعدم المبالغة في إظهار الانفعال وحركات الأيدي والتوسط فيسرعة الرد ومما يؤثر على استمرار الحوار إيجابية الموضوع وجاذبية، وراحة المستمع له

    مواصفات الحوار الإيجابي
    - حوار متفائل (في غير مبالغة طفلية ساذجة)
    - حوار صادق عميق وواضح الكلمات ومدلولاتها
    - حوار متكافئ يعطي لكلا الطرفين فرصة التعبير والإبداع الحقيقي ويحترم الرأي الآخر ويعرف حتمية الخلاففي الرأي بين البشر وآداب الخلاف وتقبله
    - حوار واقعي يتصل إيجابيا بالحياة اليومية الواقعية واتصاله هذا ليس اتصال قبول ورضوخ للأمر الواقع بل اتصال تفهم وتغيير وإصلاح
    - حوار موافقة الهدف النهائي له هو إثبات الحقيقة حيث هي لا حيثنراها بأهوائنا وهو فوق كل هذا حوار تسوده المحبة والمسئولية والرعاية وإنكار الذات
    - حوار تسوده المحبة والمسؤولية والرعاية وإنكار الذات

    صفات المحاور
    أولاً: جودة الإلقاء، وحسن العرض، وسلاسة العبارة

    وقد كان ذلك من صفات الرسول صلى الله عليه وسلم، كما جاء في الصحيحين عن عائشة رضي اللهعنها قالت: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يحدِّث حديثًا لو شاء العادُّ أن يحصيه لأحصاه، لم يكن يسرد الحديث كسردكم"
    فعلى المحاور أن يكون هادئًا سلسًا، جيدالإلقاء

    ثانيًا: حسن التصور
    والمقصود من حسن التصور، ألاَّ تكون الأفكار عند المتحدث مشوشة أو متداخلة أو متضاربة، فبعض الناس -لضعف تصوره- ربما يطرح فكرة أثناء النقاش، وبعدما ينتصف في شرحها يتبيَّن له أنها غير صالحة، ولا تخدم الغرض، فينتبه في منتصف الطريق بعدما يكون قد تورَّط في ذلك

    ثالثًا: ترتيب الأفكار
    فالقدرة على ترتيب الأفكار، وتسلسلها، وارتباط بعضها ببعضوعدم تداخلها، أو اضطرابها، مما يثبت حجة المحاور ويقويها

    رابعًا: العلم
    ينبغي أن يكون المحاور ذا علم وقوة وقدرة، فإن بعض المحاورين قد يخذل الحق بضعف علمه، فرغم أن الحق معه، إلا أنه لم يدعمه بالعلم القوي، فيضع نفسه في غيرموضعه

    لذلك فليس كل إنسان مهيأ للحوار، حتى وإن كان صاحب حق، فإنه ربما حاوربهدف نصر الحق فيخذل الحق؛ لضعف علمه وبصيرته، وربما حاور بجهل فيقتنع بالباطل الذيمع خصمه، وربما احتج بحجج باطلة، مثلما يحدث في بعض المناظرات والمحاورات التي تعقد، فلا يقتنع الناس بالحق الذي يحمله

    خامسًا: الفهم مع العلم
    لا بد من الفهم وقوة العقل؛ ليدرك المتحدث حجج الخصم، ويتمكن من فهمها، ويعرف نقاط الضعف والقوة فيها، فيقبل ما فيها من حق، ويرد ما فيها من باطل

    سادسًا: الإخلاص
    فينبغي التجرد في طلب الحق وتوصيله إلى الآخرين، بحيث لا يكون همُّ المرءالانتصار لرأيه، وإنما همه طلب الحق وإيصاله للآخرين

    سابعًا: التواضع
    فالتواضع أثناء المناقشة، أو بعد الانتصار على الخصم، من أهم ما ينبغي أن يتحلى به المحاور
    ومن أجل أن يكون الحديث بنّاءً لا بد لنا من أن نتواصل مع الطرف الآخر أولاً ونتفاهم معه بشكل واضح ومثمر ثانياً، إن الكل منّا يمتلك قدرات فردية ومهارات أخلاقية يدير بها علاقاته مع الآخرين ويستخدمها في العديد من مواقف المساومة والتفاوض

    إلاّ أن في مواقف الاختلاف أو النزاع التي في الغالب تثير شحنة قوية من الانفعالات فإننا أحياناً ننسى القواعد الأساسية للتواصل والحوار الهادئ

    كما اضيف شيئاً بسيطا
    من أسس الحوار الناجح ما يلي

    1- أن يكون الموضوع المطروح موضوع يستحق النقاش فعلا ويلامس جانب معين من حياة الناس

    2- لا تتوقع بان كل الأعضاء هم انت وان رأيهم هو رأيك والا لا فائدة من النقاش

    3- التركيز على الموضوع وليس على العضو فانت ستناقش الموضوع وليس شخصية العضو صاحب الموضوع

    4- عدم توجيه نقد شخصي او تجريح لاي عضو وانما ركز على صلب الموضوع

    5- عدم التوتر حتى وان خالف رأيك الجميع فالعصبية لا تقنع الناس

    6- تقبل الانتقاد بلباقة اذا وجه لك، ولا تقوم باعادة الانتقاد بانتقاد آخر

    7- تابع موضوعك اذا كنت انت من طرح قضية النقاش وتذكر انك انت من تديره في هذه الحالة وبالتالي الرد على كل الاعضاء وعدم اهمال اي رأي

    8- لا تتخيل ان يرد كل الاعضاء على موضوعك فقد يكون لا يعنيهم او لا يثير اهتمامهم بقدر قدرتك ومهارتك في الحوار ستجد النتائج في القدرة على اقناع الناس اتمنى ان نهتم بهذه النقاط لنحقق الهدف من الحوار والنقاش الهادف والجاد.