انتصار الأفراد على المؤسسات

تم نشره في السبت 16 أيار / مايو 2009. 03:00 صباحاً

 

الحديث عن الفساد سهل، لكن في دولة مثل الأردن يجمع القانونيون على صعوبة إثباته، وهذا للأسف معناه أنه تمأسس، وغدا ممنهجا ومنظما. وما يوحي بذلك هو عدم قدرة الحكومة كسابقاتها من الحكومات على اتخاذ موقف واضح تجاه ما تشير إليه التقارير الرقابية على الفساد. وأبلغ تلك التقارير حجةً تقرير ديوان المحاسبة الذي كشف، عند مناقشته في مجلس النواب، عن وجود فساد في وزارتين خدميتين بقيمة  تتجاوز 120 مليون دينار، وحتى الآن لا جديد، ويمكن أن نضيف ونسأل عن ثمن أراضي القرية الملكية في مرج الحمام التي دفعتها شركة مستثمرة للحكومة التي باعتها الأرض بقيمة 35 مليون دينار اختفت من دون معرفة مصيرها.

أسهل شيء تتبّع أحاديث الفساد وبعضها غير موثق، لكن الصعب وغير المقبول وطنيا في ظل الأوضاع الاجتماعية المتردية التي تخلقها حكومات المصالح الخاصة، هو أن يفتح الباب واسعا وعلى مصراعيه للأساليب الانتهازية والوصولية كافة، وللعديد من العلاقات القرابية والزبونية وعلاقات الولاءات السياسية والشخصية لتحقيق الأغراض والمصالح الفردية والفئوية الخاصة والمحدودة.

يقع في ظل هذا الباب من ضروب التنفيع اصطدام المصالح الفردية مع الوطنية، وهنا تجد التظلم بأوسع صوره، وتجد الناس ينسجون قصصا عن حياتهم وانجازاتهم الوطنية وكأنهم فتحوا الأندلس من جديد، وكل ذلك من أدب الفساد الذي يجعل أبا يراجع بشأن ابنه المخفق في الدراسة يقول لك: نحن بنينا البلد، وابني يجب ألا يفصل من الجامعة. وابنه طبعا يدرس على حساب جهة وطنية.

 صور الاستقواء  كثيرة في عمقها، ومنها الفاكس الذي حط على مكتب الأستاذ الدكتور رئيس الجامعة الأردنية، ويحمل الرقم 71/11/1/24352 المؤرخ بتاريخ 12/12/2008 والذي جاء فيه ما يأتي: "معالي رئيس الجامعة الأردنية، ابعث لكم بصورة الفاكس الوارد من السيد عبد الرزاق محمد الذهبي ورفاقه أصحاب الأكشاك المتواجدة على باب الجامعة الأردنية، المعبر عن مضمونه للإطلاع.. رئيس الحكومة".

ويلاحظ في خطاب رئيس الحكومة انه تجاهل الرتبة العلمية لرئيس الجامعة، وأما مضمون الفاكس، فهو "أن الموقعين الخمسة على الشكوى ويمثلهم السيد عبد الرزاق محمد الذهبي يشكون لرئيس الحكومة قرار الجامعة إنهاء عمل الأكشاك، لان الجامعة تنوي تنظيم البوابة الرئيسية بإقامة محلات تجارية.. وان أصحاب الاكشاك تكبدوا خسائر مالية جراء ذلك..".

على ارض الواقع، الاكشاك لا توفر مظهرا حضاريا لمدخل الجامعة، ولا تتوفر فيها أسباب النظافة، فكيف يمكن أن نقبل بها وهي لا تملك دورات مياه مثلا، ويكفيها أنها انتفعت ردحا من الزمن بالرخص التي منحت لها، ومصلحة الجامعة عندما تتلقى عرضا من شركات وطنية مستثمرة تمنحها مبلغ 350 ألف دينار سنويا مقابل تطوير البوابة الرئيسية وتنظيم عملية التسوق، فهذا أفضل نفعا وأجدى وأكرم للجامعة وللوطن.

أن يتحدث أصحاب الأكشاك أنهم خسروا بضاعة، وأنهم يدرّسون أبناء في الجامعات هذا من ديباجة الشكاوى التي استهلكت، فالأردنيون كلهم لهم أبناء في الجامعات من دون أن يكون عندهم أكشاك، وأي بضاعة عندهم هل هي لحوم حتى تفسد؟!  هي مجرد شيبس وشاي وأقلام ودفاتر..! لكن المشكلة ليست فيهم، بل بمن يتبنى قضاياهم ويعتبر شكواهم معبرة عن مضمونها وينسى المضمون الأكبر وهو مصلحة المؤسسات الوطنية والبلد.

 الحالات التي يتمتع بها أقرباء المسؤولين بمتابعة شكواهم، وإن كانت على غير حق، تحمل نوعا من ضرب قيم العمل والإنتاج والنضال من أجل المصالح العامة المشتركة، وليس لها من نتيجة إلا أنها تنشر قيم الأنانية، والتحفظ، والحذر، وتربص المبادأة، والتكتم على المشاريع والمصالح والحاجات الشخصية لمصالح أفراد من اصحاب الاكشاك الذين يمنحون رخصها من "الأمانة" التي ترضخ بدورها لضغوط وتأتيها الفاكسات. وهنا يصبح الباطل حقا مكتسبا، وينتصر الأفراد على المؤسسات.

Mohannad.almubaidin@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »انتصار الافراد على المؤسسات (ناصر الرحامنة)

    السبت 16 أيار / مايو 2009.
    عزيزي الدكتور مهند كلماتك صادقة وجريئة ولكن من ينصف مؤسسات الدولة من التغول الحاصل الان من داخلها وخارجها,واخذ الفرص الموجودة داخل المؤسسة وتوزيعها حسب الاهواء والمصالح وكأنها مزارع خاصة.صديقي الوجع كبير ولكن لمن نشتكي اذا كان غريمنا هو القاضي.
  • »لا بد من القضاء على هذه الظاهره (د. ناجى الوقاد)

    السبت 16 أيار / مايو 2009.
    فى مقاله ( انتصار الافراد على المؤسسات) يطرح د. مهندمبيضين ظاهرة حساسه قد لا تجد مواطنا فى هذا البلد الطيب الا عانى منها بشكل من الاشكال الا وهى ظاهرة الواسطه او المحسوبيه كما يسميها بعض الناس
    ان ستقواء من ليس له حق ببعض النافذين لتحقيق فائدة ليست من حقه يمثل قمة التعدى على حقوق الاخرين ويؤدى الى الاحباط لدى كثير من الناس الذين لا واسطة لهم فلو نظرنا الى هذه الظاهره من ابسط الممارسات الى اعقدها وبدانا على سبيل المثال بالدور بجميع اماكنه سواء كان امام المخبز اوامام دو ر السينما الى الدوائر الحكوميه والشركات الخاصه ومؤسسات المجتمع المدنى لوجدناها الى حد ما فيها كثير من المحسوبيه الا القليل القليل
    ان تفشى هذه الظاهره يشكل العائق الاكبر للتنميه والتفوق والابداع لذا فلا بد من العمل على الحد منها حتى تتلاشى من مجتمعنا الذى كفل له الدستور حقه فالجميع متساوون امام القانون ودافع الضرائب له الحق فى الحصول على الخدمات كاى فرد اخر مهما علت مرتبته
    ولنا فى ما يحدث فى العالم الغربى اكبر مثال وذلك عندما راينا مؤخراعلى شاشات التلفاز رئيس اكبر دوله فى العالم اوباما ومساعده كيف يصطفون على الدور عند احد المطاعم ويدفعون ثمن وجباتهم كاى فرد اخر وقد قال الرئيس الفرنسى الكبير شارل ديغول ذات مره( سيلعننى دافع الضرائب اذا صعد ذات مره الى الاوتوبيس ولم يجد مقعدا ليجلس عليه)
    واخيرا احيى الكاتب على جراته فى طرح هذا الموضوع
  • »شكر (نبيل العمري)

    السبت 16 أيار / مايو 2009.
    شكرا لك يا دكتور مهند كلمة حق
  • »الواسطة تضعف التزام المواطن بالقانون (nadia bakeer)

    السبت 16 أيار / مايو 2009.
    من اسباب تقدم الدول التي تسبقنا بكثير وجود القانون الذي يخضع له الجميع صغارا وكبارا فالمواطن يعرف حق المعرفة انه يستحيل ان يخالف القانون لا هو ولا رئيس دولته حتى لذا نجد عندهم الانتماء
    والحماس لبناء دولهم ولو على حساب
    راحتهم ولكن عندنا للاسف حتى
    ابسط الاشياء كعدم القاء النفايات على الارض لا يعتبره معظم المواطنين من المواطنة الصالحة والانتماء الى الوطن مسكين انت يا وطني من لك وقد ادار لك معظم ابناؤك ظهورهم وتجد بين ابنائك الكثيرين ممن لديهم الاستعداد لان يضروك بملايين الدنانير في سبيل ان يكسبوا هم بضعة آلاف.
  • »نقد موضوعي وقرع للجرس (عزام ابو الحمام)

    السبت 16 أيار / مايو 2009.
    أخي الكاتب د.مهند مبيضين،،،بعد التحية،،
    أجدت النقد والتشريح وشخصت الحالة بدقة وموضوعية وبحرص وحب كبيرين على وطنك العزيز وشعبه ومستقبله،،
    تستحق الشكر والتقدير
  • »الفساد أكبر من مؤسسة (سعد أبو عناب)

    السبت 16 أيار / مايو 2009.
    يوما بعد يوم تزداد ثقتي بصحيفة الغد وبكتابها، وبصدق طروحاتهم التي تمس هموم المواطن ومتاعبه الجمة،وهي بذلك تسجل تميزا لم تسجله سابقاتها التي ما زال معظمهامحكوما لمقص الرقيب الحاد.بعد إحدى عشرة سنة ونتيجة لاشتداد وطأة العلل عاد إلى الوطن من رحلة البحث عن كلفة تعليم الأبناء، ليجد نفسه غريبا في وطنه الذي أعطاه ثلاثين عاما من عمل يقترب من عمل السخرة.عاد إلى وطنه العزيز ليجد أنه بحاجة إلى وساطة لاستخراج ورقة مهما كانت من أي دائرة -حاشا بعضها-،ووجد نفسه بحاجة إلى وساطة ليرتب موعدا مناسبا مع الطبيب ،حتى الصعود في الحافلة يحتاج إلى وساطة،و شراء رغيف خبز سليم غير محروق يحتاج إلى وساطة،وشراء قميص بسعر معقول بحاجة إلى وساطة .وأما الأبناء فمازالوا ينتظرون المجهول لأنهم بلا وساطة.ترى ماذا يفعل أمثال أبطال مقالة كاتبنا لو كانوا هذا الأب؟ ماذا نفعل جميعا لاستئصال داء استشرى وامتد إلى كل مفصل في حياتنا،أسئلة بلا إجابات ستظل معلقة في الهواء...