د.أحمد جميل عزم

"بنات عمّان أيّام زمان"

تم نشره في الأربعاء 13 أيار / مايو 2009. 03:00 صباحاً

 

انثالت أفكار كثيرة عندما قرأت كتاب د. عايدة النجّار، (بنات عمّان أيّام زمان) الذي صدر في طبعته الثانية مؤخرا، عن دار السلوى للدراسات والنشر في عمّان، ولكن الفكرة الأقوى التي يمكن قراءتها بين السطور، هي "عبقريّة عمّان" باعتبارها الأرض الجديدة لنشوء مجتمع جديد وهي الفكرة التي تحتاج إلى تأمّل وتوثيق أكثر.

تتحدث الكاتبة عن ذكرياتها بدءا من مدرستها في القدس، وصولا إلى مدرسة أروى بنت الحارث الابتدائية في شارع خرفان، والتي كانت البنات أواخر الأربعينيات وأوائل الخمسينيات يأتينها من خارج عمّان بسب قلة المدارس في المملكة، ثم مدرسة "زين الشرف" العريقة وأول مدارس عمّان الثانوية للفتيات، ما بين الدوارين الأول والثاني، مرورا بالحديث عن مدارس الكليّة العلمية الإسلامية، والمطران القريبتين، وبالصحافة الطلابية في إربد، وبذلك تقدّم الكاتبة "تاريخا شفويا" تم تسجيله بإبداع وحرفيّة وبجهد بالغ، فالكتاب ليس مجرد مذكرات بل تنقيب في الذاكرة وعودة لإجراء مقابلات مع المعنيين ولقراءة الوثائق والمصادر الأوليّة غير المنشورة. وقد خطر لي أثناء قراءة الكتاب أن أحمله وأمضي في شوارع عمّان كما لو كان دليلها الاجتماعي، فأتوقف عند "بيوتات" عمّان العريقة، التي طالما رأيتها وأحببتها وعرفت بعضها وعرفت أصحابها ولم أعرف بعضها الآخر، وأن أتوقف عند المحلات التجارية والشوارع وقصصها وتاريخها. وخطر لي أن أتصل مع زملاء وزميلات الدراسة في "الكليّة العلمية الإسلامية"، ممن اكتشفت في الكتاب الحديث عن أمهاتهم وعمّاتهم وخالاتهم ممن كن في أول أجيال المتعلمات في الخمسينيّات.

تبدو عايدة النجّار في الكتاب واحدة من "العمّانيات" و"العمانيين" الذين يسعون الآن بجد لتوثيق هويتهم المتمايزة المرتبطة بالمدينة. وما سجلته الكاتبة جعلني ومن زاوية الباحث في علم الاجتماع، لا أقاوم مقارنة عمّان بالولايات المتحدة، باعتبارهما كليهما مجتمعين جديدين انصهرت في بوتقتهما أصول ومنابت وأعراق وثقافات. ربما يحتّج بعضنا على هذه المقاربة، وذلك بسبب المديين الجغرافي والتاريخي، ولكن هناك قدرا من التشابه لا يمكن إنكاره، فعمّان التي جمعت أهل الشمال والجنوب والوسط، والمهاجرين الشركس، والشيشان، والأرمن، والشوام، والفلسطينيين، كانت تستحق مسمى "المجتمع الجديد". ولكن لعل أحد الفروق الأساسيّة، بين الحالتين (الأميركية والعمّانية)، وحالات أخرى مشابهة، هو أنّ عمّان مرّت بطفرات أربكت نموها التلقائي، فلم تكن الهجرات تدريجية، بفعل هجرتي 1948 و 1967 وظروفهما الخاصّة. ولعل أحد "محاسن" كتاب الدكتورة النجّار، أنّه طرح قضايا الأصول والمنابت والعادات والتقاليد واللهجات وأنماط الحياة بتلقائية وسلاسة وصراحة وطرافة.

وعند الإشارة إلى عمّان باعتبارها "مجتمعا جديدا"، والمقاربة بينها وبين "مجتمعات جديدة" تاريخية أخرى، فهذا يعني التشابه في مجموعة من أنماط النمو والتكيّف والتطور، التي يجدر بالباحثين الاجتماعيين والأنثروبولوجيين لدينا دراستها بعناية. فالمجتمعات الجديدة، عادة هي مجتمع "الوفرة"، و"الفرص"، أو ما يسمى في السياق الأميركي باسم "الحلم الأميركي". حيث كانت عمّان أرضا خصبة للكثير من المشاريع التجارية والاقتصادية والخدمية المربحة لوافدين جاؤوها من الأردن ومن خارجه وأصبحوا أردنيين. وهنا أعود لتذكر مشروع هاني الحوراني، في مركز الأردن الجديد، في تسجيل التاريخ الاجتماعي للأردن، وأذكر بعض أفكاره عن ضرورة توثيق كيف نشأ سوق السكر والتجارة فيه، ومشروعه عن الجمعيات ودور السينما والأندية والمطاعم والحارات الشعبيّة ونشأتها، وقد قامت النجّار في كتابها هذا بجهد خارق، وخرجت من عمّان لتسجل معلومات عن الرصيفة التي كانت يوما خضراء، وعن معمل "الكازوز" وسينما سلوى في الزرقاء اللذين كان والد عايدة يمتلكهما.

ومن مزايا "المجتمع الجديد" كما يتضح من الكتاب، أيضا كيف تكون البدايات بما فيها من فقر وغنى في الوقت ذاته. فالفقر هو الافتقار لتوفر الخدمات والبنى التحتية والموارد المادية والبشرية، والغنى متمثل بالفرص الكبيرة لأن يتقدم كثيرون ويحققوا نجاحا في أرض خصبة فيها فراغ وغير مشبعة، سواء عبر مشاريع تجارية أو عبر الارتقاء في سلم الوظيفة الرسمية والتقدم فيها سريعا بسبب الفراغ الذي يصاحب البدايات عادة، أو حتى في مجالات الثقافة والتعليم والكتابة والصحافة، فقد كان المجتمع لا يعاني الازدحام والمنافسة، كشأن عمّان اليوم التي فيها الكثير من المنافسة في كل مجال. ومن هنا يجدر بالقارئ للكتاب بعيني باحث علم الاجتماع أن يشاهد كيف كانت مدرسة "زين الشرف" الثانوية، وحتى "أروى بنت الحارث"  الابتدائية نوعا من (الجامعة) الوطنية والمصهر. فبسبب محدودية عدد المدارس في المملكة، كانت الفتيات، يأتين إلى مدارس جبل عمّان الأولى، من مدن محيطة، مثل الزرقاء والرصيفة وغيرها، ما كان يؤدي لاختلاط فئات المجتمع باختلاف أصولها الاثنية والجغرافية والحضرية. وهي الوظيفة التي انتقلت لاحقا للجامعة الأردنية ثم انضمت لها جامعة اليرموك، قبل أن يزداد عدد الجامعات على نحو كبير، ليتراجع بذلك دور "الجامعة" باعتبارها "مصهرا" يجمع أبناء الوطن الواحد، وأصبح لكل منطقة جامعتها ما يقلل فرص التعارف والتمازج وحتى التزاوج بين مكونات الوطن الواحد، وهو أمر يستحق وقفة ودراسة ومعالجة. تماما كما أنّ انتشار المدارس الآن أصبح يوجد تفاوتا في السمات الطبقية والجهوية بين المدارس. ولعل من التجارب التي تستحق التوقف في كتاب النجّار، تجربة صحيفة "صوت الجيل" الصادرة عن مدرسة إربد الثانوية، في الخمسينيات، والتي تستحق الدراسة لدى دراسة تطور الإعلام ووسائله في المجتمع العربي، فقد بدت الصحيفة كما لو كانت صحيفة وطنيّة جماهيرية واسعة الانتشار باستقطابها كتّابا من وزن محمد أديب العامري، وشفيق ارشيدات، وفدوى طوقان، وحسني فريز، وخليل السالم، وسعيد التل، وهاني الدحلة، وسالم مساعدة، وسهيل التل، وملحم التل، ونايف أبو عبيد، وعبدالعزيز الخياط، وبشير الصباغ، وعيسى الناعوري، وغيرهم كثُرٌ ممن كانوا آنذاك أو أصبحوا لاحقًا أعلاما في الكتابة والسياسة والإعلام، وكانت المجلة "ثورة" صحافية توزّع من إربد إلى مدن الضفتين. 

ومن الظواهر الاجتماعية الكثيرة، التي توقف عندها الكتاب وتستحق الإشارة والتحليل، هي قضية "الحجاب". فالكتاب غني بصور عشرات الفتيات والسيدات، وخصوصا في مناسبات التخرج من المدارس والاحتفالات العامة والمظاهرات والاجتماعات السياسية والثقافية، ويكاد يخلو من لبس الحجاب إلا من حالات لا تتعدى أصابع اليد الواحدة. وقد وصفت النجار بالفعل التغيّر التدريجي الذي رافق موضوع الحجاب، بل سجّلت بتوثيق يسجّل لها، من هنّ السيدات والآنسات اللاتي كنّ آخر من يخلع الحجاب (الملاية)، في مجتمع عمّان المتعلم وقتها، وتقدّم النجّار بذلك، مادة غنيّة لمن أراد دراسة ظاهرة تراجع وعودة الحجاب. فذلك التراجع – في الخمسينيات - كان وما يزال يبدو غريب الأسباب ويحتاج لتفسير. وربما إذا ما قامت طالبة أو طالب بتسجيل التاريخ الاجتماعي لحياة طلبة الجامعة الأردنية في مطلع السبعينيات بذات الكفاءة والإحاطة كما في كتاب "بنات عمّان"، فإنّه قد يسجل لنا ملابسات عودة الحجاب، و"اختراع" الجلباب الذي انتشر كثيرا في الثمانينيات، وما زال موجودًا، ولكنه (ربما) تراجع نسبيًّا حاليًّا، (طبعا من دون أن يتراجع الحجاب، غطاء الرأس).

كما يسجل الكتاب ما أسميه "ليبرالية" بعض علماء الدين في الخمسينيات والستينيات، واحترامهم الكبير لحقوق المرأة والفتاة، ونضالهم لأجل حصولها على فرصة التعليم داخل وخارج الدولة، والإيمان بمجتمع للرجل والمرأة معًا وسواء بسواء. وتسجل الكاتبة أكثر من موقف مميز يرتبط بالشيخ إبراهيم القطان، وزير المعارف مطلع الخمسينيات، الذي رافق بعض الفتيات بنفسه إلى العراق للدراسة في الجامعة، بعد تخرجهن من المدرسة ليطمئن الأهالي على أنّهن بأمان. في المقابل لم يكن المجتمع متسامحا دائما، وتخبرنا الكاتبة كيف أرسلت إحدى العائلات من أوسع أحد الكتّاب ضربا بعد أن كتب روايتين الأولى بعنوان (مذكرات تلميذة مراهقة)، والثانية بعنوان (الدوار الأول)، بسبب اقتباسه لشخصيات واقعية لبعض الفتيات في رواياته الخيالية - الواقعيّة، وهذه قضية أخرى عن ما يواجهه الأدب في المجتمعات "المبتدئة".

بالرغم من بعض الملاحظات التي يمكن تسجيلها على الكتاب، والتي ربما يمكن إعادة النظر فيها عند إصدار طبعته الثالثة، من مثل التكرار في بعض المعلومات، والإغراق في التوثيق أحيانا بحيث يصعب تخيل أن يتمكن القارئ غير الأردني وغير العمّاني من الاستمتاع به بذات القدر،  فإنّ الكتاب يعد مادة غنيّة للقراءة المسليّة والمفيدة، ولتحليل وتقديم تاريخ عمّان، وهو بكل المقاييس إضافة نوعيّة في سياق تكريس الهويّة "العمانيّة" في إطار الهويّة الوطنية الجامعة.

ahmad.azem@alaghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عمان الحضارة (suhair manosur)

    الأربعاء 13 أيار / مايو 2009.
    لقد كانت والدتي احدى هؤلاء المذكورات في الكتاب والتي كانت في تلك الحقبة التي كان يملؤها النور والثقافة والنشاط الحر الذي لا يعتمد فقط على التعليم ولكن على جميع النشاطات الثقافية وعملت مديرة لاحدى مدارس وكالة غوث اللاجئن في الوحدات وكانت حياة مليئة بالعطاء والصخب الثقافي , واسأل نفسي احيانا هل نحن نتقدم عنهم في ذلك الزمان ام نحن نتخاذل مع تقدم السنين , رحم الله والدتي ومن فارق الحياة من زميلاتها المذكورة اسماءهن في هذا الكتاب وجزيل الشكر للدكتورة عايدة النجار التي ارخت هذه الفترة من تاريخ الاردن.
  • »كتاب جميل (Bailasan)

    الأربعاء 13 أيار / مايو 2009.
    قرأت الكتاب عندما صدرت طبعته الأولى وأحببته جدا، ليس فقط لأنني خريجة مدرسة الملكة زين ومن ثم الجامعة الأردنية، بل لأنني أعشق عمان زمن الأربيعينات، مع أنني من جيل الثمانينات، ولكن نكهة عمان وتفاصيلها تلك تجعلها في عيني ملكةالزمان وحسنائه.
    شكرا لك على تقديم هذا الكتاب الجميل هنا، وكما ذكر السيد محمد العمري فإن الكتابة بدأت تنصف عمان الآن، وننتظر بشوق أن تفعل الدراما ذلك.
  • »جدير بالمتابعة (khuloud)

    الأربعاء 13 أيار / مايو 2009.
    بعد قراءتي لهذا النقد البناء والرائع استطعت أن أحصل على قدر وافر من المعلومات المميزة عن بلد عشت فيه فترة من الزمن وعن كتاب "ربما لم أقرأه" ولكنني قرأت عنه وبرأيي هذا أفضل ما قرأت عن الكتاب وعليه ربما وجب أن أقرأه ...حتى أعرف أكثر تحياتي
  • »عمّان الحاضرة بعد غياب.. (محمد العمري)

    الأربعاء 13 أيار / مايو 2009.
    صباح الخير دكتور احمد..
    تتفق معي ان عمّان منذ عقد من الزمن اصبحت حاضرة بقوة بالكتابة الاردنية توثيقا وادبا ، والمفروض ان تلحق بها الدراما التي ما تزال من الخجل بمكان المرور على ذكر عمان باكثر من كلمة ( المدينة)...!