إبراهيم غرايبة

زيارة البابا دينية أولا وأخيرا

تم نشره في الاثنين 11 أيار / مايو 2009. 02:00 صباحاً

 

الخطاب السياحي والسياسي الذي رافق زيارة البابا برغم ما فيه من إيجابيات وحماس ونوايا حسنة أعتقد أنه يضر بالأبعاد الدينية والرمزية والتاريخية للزيارة والتراث الديني المسيحي والإسلامي معا، فالنظر إلى الزيارة بأنها فرصة للتوظيف السياحي للزيارات الدينية أو لكسب موقف سياسي في الصراع العربي الإسرائيلي يعبر عن مجموعة من الأخطاء والأضرار التي نلحقها بالدين والتاريخ والرموز الدينية، ويمكن أيضا أن تزج بالدين إلى غير أهدافه وحكمه السامية والأصيلة، وربما وهذا هو الأخطر أن نخسر في التنافس السياحي والسياسي على زيارة البابا، فنخسر الدين والدنيا!

المسألة ببساطة أن الزيارة هي زيارة للأماكن المقدسة واستحضار للحج والزيارات الدينية والذكريات والتراث الذي يحمله العرب والمسلمون والمسيحيون (واليهود أيضا)، فهي "الأرض المقدسة" كما وصفها القرآن الكريم على لسان موسى، وهي أرض المسجد الأقصى "الذي باركنا حوله" وهي تسمية سابقة للإسلام، وقدسية سابقة للمسيحية واليهودية، تعود إلى إبراهيم وربما قبله أيضا، فثمة إشارات ودراسات تؤكد أنها أرض مقدسة قبل مجيء إبراهيم عليه السلام، ولعل رحلته إلى الديار المقدسة في الأردن وفلسطين ومكة هي استعادة للمفاهيم والمعاني والشعائر الدينية التي طغى عليها التحريف والنسيان بفعل مجموعة كبيرة من العوامل والأحداث الكبرى.

نحن، إذن، أمام فرصة كبيرة لاستعادة وتأكيد المعاني والأحداث الدينية العظيمة في وجداننا وذاكرتنا، والتي تعني المسلمين تماما مثل ما تعني المسيحيين واليهود، ونحن أيضا في مواجهة فرصة عظيمة أخرى للفصل والتمييز في الصراع والتنافس بين السياسة وبين الدين، فإدخال الدين في الصراع والخلاف ليس جوهريا، ولكنه يؤدي إلى كوارث عظيمة، فالاحتلال والصراع كان في حوض البحر المتوسط على الأقل صراعا بين دول وأقاليم وليس صراعا دينيا، ولعل من اللافت أن المسلمين كانوا يسمون الحروب التي دارت بين الشرق والغرب في القرنين الحادي عشر والثاني عشر الميلاديين "حروب الفرنجة" وكانوا يسمون الغزاة بالفرنجة، وليس المسيحيين أو النصارى أو "الكفار"، وأما تسمية "الصليبية" فيه غربية أطلقها الغزاة الأوروبيون على أنفسهم لحشد الدين في الصراع، وكانت دولة إسرائيل مشروعا غربيا بريطانيا بالأساس قائما على معطيات استراتيحية لا علاقة لليهود بها، وكانت خريطة إسرائيل قائمة على اعتبارات عسكرية جغرافية وليست مستمدة من التاريخ التوراتي، فمدت على البحر على حساب لبنان، لأنها تاريخيا منطقة داخلية في وسط الأردن وفلسطين، وحتى رواية الوطن القومي لليهود المستمدة من وعد بلفور ليست في تصورها ورؤيتها بعد الحرب العالمية الثانية كما كانت بعد الحرب العالمية الأولى، ولكنها ببساطة قائمة على منطق النصر والهزيمة والقوة والضعف.

وعودة إلى الزيارة والمعاني والاحتياجات الدينية الكبيرة والتي تفوق بأضعاف مضاعفة كل ما يعول عليه البعض بحسن نية من فوائد سياحية وسياسية، فتأكيد المفاهيم الدينية لدى أتباع الأديان كما هي في الكتب المقدسة يحقق مكاسب كبرى عظيمة نبحث عنها ونحتاج إليها جميعا، وأولها تنقية الدين وتحريره من الصراع والشهوات والاستبداد والسلطة ليظل كما أراده الله تعالى محركا للسلام والانسجام مع الذات والكون وللعبادة الصافية المجردة التي أمرنا الله بها وذكره وتسبيحه وتمجيده، وثانيا لنتقدم خطوة أخرى أساسية في تأكيد "المواطنة" القائمة على المكان والانتماء إليه والعقد الاجتماعي المنظم لعلاقة أهله بالسلطة، فالدين ليس أساسا للمواطنة والسلطة ولا للدول، وإن كان في مرحلة من التاريخ شكل جوهر العلاقة بين السلطة والأمة أو يفسر قيام الدول، فإن البشرية ارتقت بانتمائها وعلاقاتها وتشكلاتها على أساس المكان، ومن حق المسلمين أن يعتزوا بأنهم كانت لهم مبادرات سابقة وعظيمة في تنظيم الدول وعلاقات السلطة والشعب على أساس "الإقليم والمكان" وليس على أساس الدين أو الإثنية، إن اختلاط المواطنة بالدين والإثنية ما يزال سببا للصراع والحروب التي نحتاج للتخلص منها، ولا يمكن تجاوزها إلا بفكرة جامعة للناس مختلفة عن روابط القرابة والدين.

وثالث المعاني الكبرى التي نعول عليها أن نساهم في دمج المسلمين المتوطنين في الغرب مع مجتمعاتهم ودولهم التي استوطنوها، وفي المقابل أيضا فإن المسلمين يجب أن يساعدوا المسيحيين على الاندماج والمواطنة الكاملة، وبخاصة في دول ما يزال الدين يشكل هوية وأساسا للصراع فيها كما في باكستان وإندونيسيا على سبيل المثال.

لأجل ذلك ولغيره، فإننا نرى في الزيارة معاني دينية وتاريخية جميلة وكبرى تهم المسلمين والمسيحيين معا، وقد يشارك اليهود فيها عندما يتخلصون من الهيمنة الصهيونية والتأثير السياسي الغربي، فهنا مواطن الأنبياء، ونزل الوحي، ووقعت قصص وأحداث نتلوها في القرآن الكريم وفي التوراة والإنجيل أيضا، فلنجعلها كذلك ونحميها من الاستثمار والتشويه، لأنها ببقائها كذلك تكون أكثر منفعة وأعظم أثرا، ويا ريت ننسى حكاية الفنادق الممتلئة هذه لأني كلما أقرأها أشعر بالخجل والعار.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »زيارة لاتخلو من السياسة ....!!!!! (العميد المتقاعد فتحي الحمود)

    الاثنين 11 أيار / مايو 2009.
    إبتداء فأنا مثلك لقد ضاق صدري بتصريح وزيرة السياحة حول أن نسبة إشغال الفنادق 100بالمئة ... وكأن البابا جاء الى الاردن ليسوقها سياحيا !!! للاسف هكذا تقاس الامور في الوطن !!!! أما أن الزيارة دينية بحته .. فإسمح لي بأن أختلف معك في هذه المنسألة . فالامور كما تعلم تقاس بخواتمها وبما يقال أو يصرح أو يعلن خلالها !! في حقيقة الامر وإن ما ذكرته في تحليلك عبارة عن حقائق تاريخية ودينية ... إلا أن البابا لم يعطها البعد الديني الدقيق ... لإن ما قاله في مناسبات ثلاث فيه بعض الاشارات السلبية التي تفسر غربيا على عكس ما نظنه نحن !!! فلقد أعلن عن مصالحة مع اليهود الذين " صلبوا" السيد المسيح وعذبوه ... لو لم تقم الحركة الصهيونية على إعتبار إنها حركة قومية , وأقامت دولة قومية يهودية على أرض فلسيطين ... من خلال إشادته بالعهد القديم الذي يشوه الديانة اليهودية التي نؤمن بها ونعترف بها كمسلمين كشرط من اركان الايمان !! فاألاصل أن العهد الجديد " الانجيل " يجب العهد القديم " التوراة " بعد أن شوهها اليهود أنفسهم على مدى تاريخهم . لاأريد أن أطيل ومع إحترامي الشديد للزائر الكبير فإنه لايزال تحت تأثير ما قاله وصرح به سابقا وإن حاول الاعتذار !! أرجو أن لايفهم من كلامي أنني انتقد الزيارة فالبابا حر في مايقول ... فأنا احد المؤمنين جدا بالتعايش الاخوي بين المسلمين والمسيحيين في بلادنا العربية .. ولم افكر للحظة أن يكون كلامي - لاقدر الله - نابعا من تفريق ... لابل العكس صحيح تماما ... وكما قلت واكرر لم نكن يوما- نحن الذين لانعترف بالكيان الصهيوني المحتل لارض فلسطين العربية - ضد اليهود كبشر او اليهودية كدين !!! مع بالغ تقديري وإحترامي للكاتب لمتميز والواعد !!!