المتغابي

تم نشره في السبت 9 أيار / مايو 2009. 02:00 صباحاً

 

الأكثر ذكاء ودهشة والأقدر على السلامة هم الذين يقدرون على إخفاء ذكائهم ومعرفتهم والتظاهر بالغباء، وقديما قال الشاعر: ... ولكن سيد قومه المتغابي. كيف تقنع الناس أنك غبي، تلك هي المسألة! وفي التراث الشعبي أن شخصا كان يعتقد أنه قمحة، فإذا رأى دجاجة أصابه رعب واختبأ مخافة أن يبتلعه الدجاج، وبعد جهود مضنية في العلاج والتأهيل اقتنع الأخ أنه ليس قمحة، ولكنه ظل يختبئ ويهرب مذعورا كلما رأى دجاجة، فإذا ذكره الناس بأنه ليس قمحة، قال: أعرف، ولكن من يقنع الدجاج أنني لست حبة قمح! وهنا تسكت الأسطورة، ولكنها تترك للأشقياء ملاحظة الاضطهاد والظلم الواقع على فئة من القمح يحسبها القمح دجاجة، كيف تقنع القمح أنك لست دجاجة، فإن لم تنجح سوف تموت من الجوع والقهر والاضطهاد، كيف تقنع تلك الحبات التافهة المهيمنة في الحقول انها تتسع لكل المخلوقات، وأنها ليست بحاجة إلى إبادة جميع الكائنات الحية لتبقى!

وفي هذا السياق ولأغراض التعلم والتمرين سأحاول ولعل القراء يساعدونني في الفهم والرؤية، فعلى سبيل المثال فإن الزملاء/ الزميلات في حياتنا أعدوا وصفات تحت عنوان المطبخ الفرنسي، وللفائدة سألخص قواعد إعداد الأطباق الفرنسية كما وردت في الغد: تغلي الماء وتفرغ المغلف المعد للشوربة والبيشاميل، وستحصل على شوربة ونسكافيه، ويمكنك بمزج الفواكه مع الحليب والآيس كريم ان تحصل على كوكتيل الفواكه!

وتعلن النقابات المهنية عن تأجيل إشهار فتوى علماء الأردن بوجوب المقاطعة الاقتصادية "للعدو الصهيوني" والداعمين له إلى موعد آخر يحدد لاحقا، هكذا يقول الإعلان مدفوع الأجر والذي نشر في الصحف، ويا ريت ياخذني الإخوان في النقابات المهنية على قد عقلي، ويحلفون بالله العظيم أنهم يعتقدون أن هذه الفتوى هي أمر الله للناس، ولكن إذا كانت معطيات الفتوى تقديرا سياسيا يمكن أن يكون صوابا أو خطأ ويمكن أن يتغير، فهل هي فتوى من الله أوصاهم بها، أم هي تقدير بشري إنساني يتغير ويتبدل، وما الحاجة لتكون فتوى، ولماذا يزج الإخوان في شعبة هندسة مناجم الفحم وإدارة التحصيل وأجور العمليات في مستشفى استثماري بفتوى يعلمون أنها تقدير موقف، ولا يشغلون لجان الفتوى في حق الرعاية الصحية وأجور العمليات وفواتير المستشفيات وما يمكن أن تقدمه النقابات للمواطن والمجتمع وماذا ساعدت فيما يجري من نهب واعتداء على  جيوب المواطنين والمرضى والفقراء والمحرومين وضحايا التحايل والمغالاة في المساكن والطرق والمرافق، لا أحد يحتاج إلى فتوى وتوعية ليعرف أن فلسطين محتلة، ما معنى أن هذه الفتوى بخاصة تشغل النقابات المهنية؟ مرة أخرى المسألة ليست متعلقة بالجدل حول شرعية وصحة الاحتلال والعلاقة معه، ولكن الخوف من قوله تعالى "ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله" الفتوى أكبر بكثير من حملة انتخابية، وأجزم أن المستفيد الأول من فتاوى ومقاومة التطبيع هو الاحتكار.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ولكننا في زمن التذاكي يا سيد غرايبه .... (محمد البطاينه)

    السبت 9 أيار / مايو 2009.
    قديما نصح الحكماء من يريد ان يصبح سيدا في قومه( وهو ذكي ويملك مقومات القيادة) بان يكون متغابيا ليكون مقبولا اجتماعياولكننا في هذه الاونه نرى ان (الاغبياء) يتحولون الى متذاكين ليحصلوا على قيادة او زعامة في زمن انقلبت فيه المعايير واصبح الصوت العالي والتشنج والتخوين واتهام الخصوم والتباكي على القدس هو اسهل الطرق لتحقيق الشعبية والقبول ... وهنا اعود لسؤال قديم جديد : من المسؤول عن هذه الحاله ؟؟ هل هو الحاكم بتسلطه وقهره ام المحكوم بخنوعه وذله ؟؟؟ وعودا على مقالك الجميل فانا كان لي رأي قديم بمن يثير نعرات الوطنية وعدم الوطنيه وبمن يثير نعرات الاصول والمنابت وبمن يثير نعرات المناطقيه والاقليميه ... ويغني بها ويتباكى على مجد موهوم مكذوب ويثير الاحساس بالخوف من عدو غير موجود ويلطم على الظلم المتواصل الذي حاق به وباسلافه .. انا برأيي ان هذا واحد من اثنين : اما مستفيد من بث الفرقة ليجد مكانة له لن تؤهله امكاناته الشخصية للحصول عليها او غبي ( متذاكي ) ... وسلامتكم
  • »ما المشكلة في التذكير؟ (ريم زيغان)

    السبت 9 أيار / مايو 2009.
    هذه هي الغاية ..أن يبقى المواطن العربي مشغولا بفاتورة المستشفى وأزمة المساكن والطرق باعتبارها الهم الأول وربما الوحيد، وللأمور الأخر وقتهاالقادم مع مذبحة أخرى .
    كلنا بحاجة إلى نتذكر من وقت لآخر أن فلسطين محتلة خاصة في خضم هذه المشكلات والأزمات التي تريد أن تشغل بهالجان الفتوى .
    مع احترامي للأخ إبراهيم غرايبة :
    كم من إعلان مدفوع الأجر نضطر إلى قراءته كل يوم ...