مرحبا برسول السلام في أرض السلام

تم نشره في الجمعة 8 أيار / مايو 2009. 03:00 صباحاً


لئن كان الطابع الديني غالبا على زيارة بابا الفاتيكان بندكتس السادس عشر للأردن اليوم، إلا أنها تنطوي كذلك على دلالات سياسية لا تخطئها العين. فالمشكلة التي نكابدها منذ عقود طويلة وأورثتنا مآسي وحروبا وتهجيرا وتنكيلا كانت بسبب غياب السلام، وسيادة منطق الحرب والاحتلال واغتصاب الأراضي وطرد السكان الأصليين منها كما هو الحال في فلسطين، مسقط رأس المسيح وأرض القداسات ومهد الديانات السماوية.

البابا يحمل رسالة السلام التي يتعين أن يصغي إليها الإسرائيليون بانتباه، وهي الرسالة ذاتها التي تشترك في عناوينها مع الإجماع العربي الذي تبنى مبادرة السلام العربية التي تضمن الشروع في بناء تفاهمات لإقامة دولتين فلسطينية وإسرائيلية يحكمهما الجوار والتعايش. وهذه كانت في صلب الرسالة التي حملها جلالة الملك عبدالله الثاني إلى الإدارة الأميركية مفوَّضا من القمة العربية الحادية والعشرين التي التأمت في الدوحة.

لقد أعلن قداسة البابا عشية مغادرته ساحة القديس بطرس بالفاتيكان أول من أمس أن هدفه الأول هو “زيارة الأماكن التي قدسها حضور يسوع والصلاة في تلك الأماكن من أجل هبة السلام”. كما شدد على أن هذه الهبة يتعين أن تكون حافزا من أجل “وحدة العائلات وجميع سكان الأرض المقدسة والشرق الأوسط”.

فهل يدرك الإسرائيليون مغازي هذه الرحلة الرسولية. وهل تغتنم حكومة نتنياهو هذا الحدث التاريخي، وتصغي إلى نداءات السلام التي تحذر من مغبة عدم اقتناص الفرصة السانحة للدخول في مفاوضات مباشرة تنهي عقودا من الآلام والدماء والعذابات والخوف.

لقد رسم جلالة الملك “خريطة طريق” واضحة لإحلال السلام في المنطقة، وفتْح صفحة جديدة تبني شرق أوسط يقطع الصلة مع الماضي المتخم برائحة البارود، ويفتح نوافذ المستقبل للشمس كي ينعم أطفال الشرق الأوسط بغد أفضل من ماضي آبائهم وأجدادهم.

ومن وحي رسالة الملك وتوجهاته في السلام والتعايش ونبذ الغلو والإرهاب والتطرف الديني، كان اختيار البابا بندكتس السادس عشر للأردن ليكون محطة أساسية في زيارته الرسولية التي ستقوده بعدها إلى القدس والناصرة وبيت لحم، وهي أماكن ومدن أرست ملامح التعايش الديني في المنطقة على مدى التاريخ.

والأردن، في نظر الفاتيكان، “جزء من الأراضي المقدسة متأصل بعمق في كامل الإرث الروحي للكنيسة في الشرق الأوسط، حضارته وتاريخه ينتميان إلى الإرث الثقافي للجنس البشري”. ولذلك مثّل الأردن ومايزال أحد أكثر نماذج التعايش الديني رسوخا وصلابة في العالم أجمع، وهو أمر تحرص عليه القيادة السياسية وتعتبره واحدا من الركائز الجوهرية في بناء الدولة وفي رسالتها.

ففي اللحظة التي تأكل نار الحروب المذهبية والطائفية أخضر الدول ويابسها في غير مكان في العالم، نجد الكنيسة في الأردن ترتفع بجوار المسجد، ونجد الصليب يعانق الهلال في تآخ نادر تجسده، على نحو خلاق، العلاقات على الأرض بين المسلمين والمسيحيين الذين يقتسمون لقمة الخبز والهواء والتطلع إلى مستقبل واحد مرصع بنشيد السلام والأمن والاستقرار.

على هذه الأرض تعمّد السيد المسيح الذي نشر ثقافة السلام، وأطلق رسالة التسامح، ودشن منائر العدل والأمل. ومن هذه الأرض تنطلق وما انفكت رسالة السلام والتسامح بين أصحاب الديانات السماوية الثلاث. وما رسالة عمّان إلا واحدة من المبادرات الخلاقة لصياغة غد ينتصر فيه الحق، وتختال على ضفافه العدالة، وهو خطاب ينبري جلالة الملك عبدالله الثاني منذ سنوات لجعله شعارا ومنهاج عمل لحماية المنطقة من أن تظل في قلب العاصفة وعلى مقربة من البراكين.

مرحبا برسول السلام في أرض السلام، ولسوف نصلي معك كيما يتحقق حلمك بأن تأتي الزيارة “بالثمار الوافرة لجميع سكان الأرض المقدسة على الصعيدين الروحي والمدني”.

m.barhouma@alghad.jo

التعليق