اسألو أهل القدس

تم نشره في الخميس 7 أيار / مايو 2009. 03:00 صباحاً

زيارة مسلمي ومسيحيي العالم للمدينة المقدسة تأكيد لبعدها الإنساني ضد المحاولات الصهيونية العنصرية لتهويدها

فوجئت في مرحلة ما بعد المعاهدة الأردنية الإسرائيلية عام 1994 عندما وجدت مجموعة من الناشطين الإسلاميين واليساريين في الأردن، يعدّون لمشروع حملة لمنع الشاعر الفلسطيني سميح القاسم من المشاركة في فعاليّة ثقافيّة في الأردن. فوجئت كيف يمكن أن يكون استضافة شاعر المقاومة تطبيعًا مع إسرائيل لمجرد أنّ بقاءه في وطنه فرض عليه بعض التبعات القانونية من مثل جواز السفر الإسرائيلي.

وفي ذلك الوقت كانت قصيدته "تقدموا، تقدموا/ كل سماء فوقكم جهنم/ وكل ارض تحتكم جهنم/ تقدموا/ يموت منا الطفل والشيخ ولا يستسلم/ وتسقط الأم على أبنائها القتلى ولا تستسلم"، قد أصبحت من أهم القصائد التي تجسّد الانتفاضة، وأحد أناشيدها الوطنيّة، ويتم إذاعتها في التلفزيونات بصوت القاسم، وغنتها فرقة "العاشقين" الفلسطينية.

 ذات الموقف والالتباس في فهم موضع التطبيع مستمر. وكثير من القضايا لها أوجه وتبعات غير مفهومة. فمثلا مقاطعة العرب الفلسطينيين في الأراضي المحتلة عام 1948 تعني المساعدة في حصارهم. وهذا ما قد يرتبط برأيي في موضوع القدس.

زيارة القدس أصبحت موضوعا يثير جدلا متكررا ومتجددا. وقبل أيّام ندد محمد سيد طنطاوي شيخ الأزهر، بالداعين للأمة للهرولة نحو زيارة إسرائيل ولو كانت النية الغرض منها الصلاة في المسجد الأقصى والاعتكاف فيه. وهذا الموقف يختلف عن موقف وزير الأوقاف المصرية، الذي دعا في نهاية العام 2007 المسلمين لزيارة المسجد الأقصى. وأعتقد أنّ شيخ الأزهر مصيب تمامًا. فالتذرع بالصلاة في غير مكانه، ولا صلاة تحت حراب الاحتلال. ولكن ماذا إذا كانت زيارة القدس، هي جزء من المقاومة؟!

المبررات الأهم لرفض زيارة القدس، هي أنّ ذلك يتم بتأشيرة زيارة إسرائيلية، وأنّ ذلك مدخل للتطبيع مع إسرائيل. وبالنسبة لقضية التأشيرة، فهي ذات بعد مهم. فمن يحتاج لهذه التأشيرة هم مواطنو الدول العربية التي لديها اتفاقات مع إسرائيل، أي الأردن ومصر. وإضافة لهؤلاء فإنّ من يمكنه زيارة القدس هم من يحملون جنسيّات أجنبية، أو مسلمون من رعايا دول غير عربية. وإذا افترضنا أنّ إسرائيل "سمحت" بإعطاء التأشيرات، فإنّ ذلك يمكن رؤيته بما لا يتعدى أنّه أمر واقع كتصريح الزيارة لرؤية أسير في سجون الاحتلال، ولا يعني بالضرورة اعترافًا أو إقرارًا بالاحتلال.

ولكن ما ستحققه مثل هذه الزيارات هو تأكيد وجود عربي وإسلامي، مسلم ومسيحي، في القدس، وتأكيد حق أتباع هذه الديانات في أي مكان في العالم، وهم معا يشكلون نحو نصف البشرية، بالقدس، ورفض أن تكون حكرًا على أتباع دين ولحد، هو اليهودية، التي لا يشكل أتباعها حتى 1% من سكان العالم.

لقد نجحت إسرائيل في منع الفلسطينيين من الضفة الغربية وقطاع غزة من دخول القدس، إلا بإجراءات معقدة، وينقل من يتمكن من زيارة القدس، كيف أنّ شوارعها خالية حزينة. وزيارة مسلمي ومسيحيي الأرض للمدينة تأكيد لبعدها الإنساني، ضد المحاولات الصهيونية العنصرية.

على الأغلب لن تمنح إسرائيل تأشيرات زيارة لأحد للقدس، بل ستمنع حتى مواطني الدول الأجنبية من مسلمين ونشطاء سلام من دخول القدس، وربما تعيدهم من المطار. وإذا ما تحقق ذلك، فإنّه يكون إنجازا مهما على الصعيدين الإعلامي والسياسي، لأنّه يؤكد أنّ اتفاقيات السلام العربية الإسرائيلية لا جدوى منها، حتى للسماح بالدخول إلى الصلاة والسياحة، ولأنّ العالم الغربي سيتناول منع رعاياه من دخول المدينة، وسيتم فضح الطابع العنصري الإقصائي الصهيوني.

أمّا قضية التطبيع فإنّها قضية يمكن التغلب عليها، على نحو ما يفعل نشطاء السلام الغربيين، وبعض الجمعيّات المسيحية الأوروبية، (وقد كتبت عن هذه التجربة سابقًا)، حيث يتم الحظر على الزوار من هذه الجماعات أن يتعاطوا مع الإسرائيليين تجاريّا واجتماعيّا وسياسيّا. فلا ينامون في فنادق إسرائيلية أو يتعاملون مع مطاعم أو متاجر أو وسائل نقل إسرائيلية، والهدف من ذلك عدم دعم اقتصاد إسرائيل والعمل على دعم الصمود العربي في المدينة، خاصة وأنّ منع الفلسطينيين من الضفة والقطاع من دخول المدينة ضرب اقتصادها بقسوة.

قد تحاول إسرائيل استغلال زيارة القدس للتطبيع، وقد نجد أطرافا عربية أو فلسطينية لا تمانع في ذلك، ولكن إذا أدير موضوع التعاطي مع القدس وزيارتها بشكل ذكي، يمكن أن يتحول الأمر لنوع من أنواع المقاومة. ومن هنا فإنّ كلا من وجهتي النظر حول الزيارة وعدمها، لها ما يبررها، ولذلك فإنّ بحثا معمّقا للقضية أمر مهم، ومن الضروري إشراك أهل القدس الصامدين المحاصرين داخلها في هذا النقاش وسؤالهم حول هذه القضية.

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق