إبراهيم غرايبة

الغباء: تلك المنحة العظيمة

تم نشره في الأربعاء 6 أيار / مايو 2009. 03:00 صباحاً

 

تقول الأسطورة الهندية إن الإنسان كان يملك قدرات وإمكانيات مثل الآلهة، فقررت الآلهة أن تنزع منه قدراته ومواهبه، ولكنها في كل مرة تخفي فيها هذه الطاقات والحكم، في البحر أو الفضاء أو أعماق الأرض كان الإنسان يجدها ويستعيدها، ثم تشاورت الآلهة أين تخفي موهبة الإنسان وقدراته، فقرر كبير الآلهة أن يخفيها داخل الإنسان نفسه. وهكذا فإننا نبحث عن الحكمة بعيدا عن موضعها وهي أقرب إلينا بكثير مما نعتقد، ولكن حين نكتشفها لا نقوى على احتمالها، فنسعى للتخلص منها،.. ولكن ذلك يكون بعد فوات الأوان، وتلك هي قصة كل أشقياء المعرفة والسؤال، نحتاج إلى قدر من الغباء كي نكون سعداء وأسوياء، فالغباء منحة عظيمة وذكية،.. وهؤلاء الذين يعتقدون أنهم ليسوا بحاجة للغباء يظلون أشقياء ومكروهين مثل البوم! 

في ثقافتنا العربية يمثل البوم نموذجين متناقضين، فالبوم في أساطيرنا طائر مقدس لا يجوز الاعتداء عليه، وربما يتعرض من يقتل البوم لمصيبة عظيمة، وكان يقال لنا ونحن أطفال من يأخذ صغار البوم من أعشاشها تأتي أمه في الليل وتقلع عينيه ثم تأخذ صغارها، والبوم في الأسطورة أيضا يأتيه طعامه إلى عشه في الصباح والمساء من دون جهد، وذلك كرامة من الله لحكمته التي أنقذت الناس وتساعدهم دائما، كما كانت البوم مستشارا حكيما وملهما للنبي سليمان (حسب الأسطورة). وعلى نحو واقعي وتنموي فإن البوم يحذر الناس في بواديهم ومراعيهم وقراهم ونجوعهم في الليل من المخاطر والوحوش والدخلاء، ويخلص الحقول من الفئران المؤذية، ولذلك فإن بقاءه والمحافظة عليه يمثل ضرورة تنموية، ولا بد لأجل ذلك من حمايته وتحصينه بـ"المقدسات" وبخاصة أنه في النهار يكون معوقا غير قادر على الهرب من الأطفال والمعتدين، فهو يبصر في الليل بحدة، ويكون في النهار معشيا شبه أعمى.

وفي الوقت نفسه فإننا ننظر إلى البوم بكراهية وشؤم، ونعتبره دليلا على الخراب، صحيح أنه يدل على الخطر، ولكن المسكين يحذرنا من خطر مقبل أو خراب محتمل، وليس هو الذي صنع الخراب، ولا هو الذي قاد الضبع إلى حظائرنا، يا إلهي! تلك هي قصتنا مع الحكمة، فنحن نعتقد أن الطبيب الذي يشخص الداء ويدلنا عليه شخص كريه نعوذ بالله منه ومن الحظ الذي قادنا إليه، قال مرة أحدهم لصديقه (وهذه قصة حقيقية) عندما أخبره الطبيب أنه يعاني من السرطان، ولماذا ذهبت إلى ذلك الطبيب، ألم تجد غيره، فلو قال له الطبيب: أنت بخير وصحتك عال العال! تحتاج فقط إلى الراحة والهدوء. نحن نعتقد جميعا بلا استثناء (تقريبا) أننا نعاني من ضغوط العمل، ألا يجب أن نكون مع ضغوط العمل التي نعاني منها نتمتع بأفضل اقتصاد في العالم، وكيف جاء الهدر والفقر والدين والعجز المالي إلينا ونحن نعمل ليل نهار ونعاني من ضغوط العمل؟!

وعودة إلى الأسطورة الهندية فهي تعني ببساطة ووضوح (ويا لقسوة هذه البساطة) أن الإنسان يعلم نفسه بنفسه ويدرك المسائل لو أراد، وأن الحكمة تقيم في الفضاء والأرصفة ولا تحتاج منا سوى التقاطها، ولكنا نتواطأ بذكاء وعبقرية على الجهل والغباء وعدم رؤية المعرفة والحكمة، ومشكلة المثقفين والسياسيين وسائر النخب اليوم أن المجتمعات التقطت الحداثة والمعرفة وتقدمت عليهم، وما يزالون يحسبون أن الحكمة ستبقى مجهولة إذا تجاهلوها أو أخفوها ولم يدركوا بعد أن الناس تعرف أكثر منهم، وتعرف أنهم لا يعرفون ولا يعرفون أنهم لا يعرفون، يا لروعة الإنترنت، كأنها سر آلهة الهندوس الذي اكتشفه المنبوذون ولم يكتشفه بعد البراهمة أبناء الآلهة.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »عالم الأغبياء ا؟لأكثر سعاده (رنا عمرو)

    الأربعاء 6 أيار / مايو 2009.
    استاذي الحكيم..ابراهيم غرايبة..صدقت ان الغباء قد يغدو ضرورة في زماننا لأن استيعاب مايجري ونفاذة البصيرة على المستقبل القريب قد تؤدي بصاحبها للذهان والجنون..عندما رحل مؤنس الرزاز عن هذه الحياه اصبت بالفجيعة وانا اقرأ خبر وفاته المفاجئ في احدى الصحف في محل تجاري قريب..فكرت عندما رأيت صاحب البقالة اسماعيل الثلاثيني وقد شمر بنطاله من الأسفل وهو يأكل الشيبس ويضحك بغباء ..كم هو سعيد..عندما احادثه لم يكن يعرف عن الدنيا شيء لكنه بسعادة دائمة فكرت لو كان مؤنس الرزاز حاضرا ربما سيحسده على غباءه وتفاهته وهو الذي كان يحمل هموم العالم فوق راسه ظل معها يعاني اكتئاب حاد حتى مضى ..صدق الذين يتمتعون بنعمة الذكاء يدفعون ضريبة باهظة قد تكلفهم راحة البال واحيانا صحتهم وسويتهم في عالم الغرائب هذا!!!ولكن احيانا قد يكون الذكاء والحكمة سببا في سعادتنا وراحة بالنا..فبالحكمة وحدها ندرك البعدوالقيمة الحقيقية لهذه الحياه والغاية من وجودنا فيها وحقيقة ذواتنا ونكف عن الركض والجري واللهاث وراءها...ومن اوتي الحكمة فقد أوتي شيئا كثيرا..صدق الله العظيم
  • »التغابي (ماجدة)

    الأربعاء 6 أيار / مايو 2009.
    أحيانا من الذكاء ان يتغابى الإنسان.