"الليل..حتى الليل هناك أجمل"!

تم نشره في السبت 2 أيار / مايو 2009. 03:00 صباحاً

المرأة التي صارت أرملة من دون أن يلفت ذلك انتباه أحد حتى أطفالها، تظل كل الليل تعدّ أبناءها على أصابعها...، ولكي يظلّوا كاملين تقطع اصبعاً كلما أكلت الحرب منهم واحداً!

..التي يناديها الجيران كلهم «أم عليّ».. بيتها الآن فارغ من رائحة "علي" ومن صراخه ومن دفاتره ومن ضحكته التي كانت تخُضّ السُكّر في عروق البلح!

المرأة التي ابنها مع المقاومة وابنتها البكر ماتت تحت ركام "العامرية" واخوها مع العالقين في المطارات وحبها الاول في جبال الاكراد... المرأة التي قلبها أرق من ستارةٍ خفيفةٍ في الهواء!

.. التي كانت تلميذة تخطر بمريولها المدرسي عصراً في "شارع الأميرات"، وترى ظلها الحلو أطول من ظل النخلات، وتركض للبيت بقلب يتنطّط: ما أجملني يا أمي؛ كل الفتية همسوا لي، ومشوا بخطواتٍ ماكرةٍ خلفي! صارت الآن ارملة يتوزع حولها خمسة أيتام بملابس الحداد!

المرأة التي كانت تحمل طفلين على كتفيها الممشوقين.. التقطتها "كاميرات الاخبار" تحمل جثة والدها وتجرّ إلى القبر أجمل أيام العمر.. وتبكي الرجل الذي كان يعبئ جيبيها بالفستق وأحلى ضحكات الآباء!

....

الأم إذ تستغني كل ليلة عن "فراش ووسادة" لأن الأولاد نقصوا واحداً...

الصبية التي كانت تسهر في ميعة نضارتها مع الاغنيات، وتقرأ شعرا كشأن النساء العاشقات، وترسم أحلاماً حول الزوج واطفال يلثغون براء "العراق"؛ وتُصر أن يكون البيت من طابقين ومدفأة في الجدار... تضع يدها على خدّها الآن وهي تبيع الدّخان الرديء على أرصفة المنفى البارد!

المرأة التي كانت تصحو كل فجر لتعدّ الاولاد لمدارسهم، وتمشط شعر الشيطانة الصغيرة، والزوج الكسول تغمزه من خلف ظهر البنات، وتلحقهم بالشاي والدعوات للباب... تقف اليوم على الباب وحيدة ومهجورة كعتبة البيت: لا اولاد ولا زوج ولا بنات، ولا ضيف تسامره غير سائق سيارة الاسعاف!

الأم التي كان لها أهل، ومرآة صغيرة للزينة، وأسرار مع الجارات، ومطبخ تنظفه باستمرار، وساعة للتأمل في حماقات الصبا، وألبوم للصور، وخاتمان من الألماس... صارت الآن صورة في أرشيف الصحف في جارور كتب عليه " نساء عراقيات"!

....

الأمهات هناك، ما زلن يحلمن..

لكنهن الآن لا يحلمن بالكثير: فقط بمترٍ مربعٍ واحدٍ من الظل ينام فيه الطفلان.. فلا تراهما الطائرة المقاتلة!!

هناك لا أحد يستطيع أن يجري "تعدادا للسكان" لأنهم يتناقصون كل خمس دقائق!

لا تصل حافلة بكامل ركابها الى موقفها الأخير، ولا تهيئ عائلة طعاما للعشاء فهي لا تعلم من سيعيش من أفرادها حتى المساء!

لا يمكن لمعلم أن يكلف طلابه بواجب منزلي، ولا لعاشقة أن تعطي موعدا بعد ساعتين، ولا لنخلة أن تثق بمواسم البلح!

الموت واقف على الأرصفة كأعمدة الهاتف، فضولي كالسواح، نهم ونشط وله حشد من المعاونين والمساعدين والمتعهدين.

الذين يحضرون جنازة يحدقون في بعضهم بارتياب: أحدهم في الجنازة المقبلة سيكون القاتل وأحدهم سيكون القتيل!

الموت أكثر توافرا من الناس، فيموت المواطن مرتين أو ثلاثا؛ يموت نيابة عن أخيه المسافر، أو والده السجين، أو أمه التي نامت مبكرة في تلك الليلة ولم تحضر الانفجار!

يخرج العامل صباحا للبحث عن عمل لذلك النهار، لنهار واحد فقط، ويتحايل على كل أسباب الموت، مقابل أن يعود برغيفين وبعض التمر... لكن الموت كامن في النهار، في الرغيف، في التمر، بل ربما كان مختبئا في ملابس العامل منذ الليلة الماضية!!

... نفتقد عراقنا، ونبكي مُلكا مضاعاً... ونخلا كان يطاول قامات الرجال.

نبكي نهرين انسرقا، وشعباً انخذل في الواقعة، وشوارع حمل الغزاة رملها في جيوبهم.

وها هي الخريطة العربية صارت أخف وزناً إذ سقطت منها عاصمتان، وتخلخلت الأرض تحت أكثرها!

ibraheem.jaber@alghad.jo

 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »نساء العراق .. الاما مكبوتة (ربى احمد)

    السبت 2 أيار / مايو 2009.
    نساء العراق ..الاما مكبوتة وحصارا في ظل دوامة من الفقر واليأس وانعدام الامن الشخصي ...
    نساء العراق .. تذرف عيوننا دماً من شدة المأساة .. ولكن إلى متى.. ؟ وما العمل ..؟
    إن الأمانة التي في أعناقنا كبيرة جدا كبر جرح النساء اللواتي اغتصبن أمام اولادهن وبناتهن ..
    أخبار تتلوها أخبار ، وقائع خزيٍ جديدة، نصرخ من شدة الغيظ ..

    تتجدد معها سلسلة الالام الطويلة ..

    ولكن مع أن الدعاء حده صارم ونتيجته أكيدة ..
    فهل هذا يكفي ؟؟
    وهل يعفينا من المسؤولية ..؟؟

    أعراض المسلمات استباحت منذ زمن ..
    منذ أن تخلى عنها الجبناء ...
    الذين ماعادت تهمهم حرمة الدين ولا حرمة النساء المسلمات ...

    وامعتصماه انطلقت - ملئ أفواه الصبايا اليتامى
    لامست أسماعنا ...لكنها لم تلامس نخوة المعتصمِ
  • »مقالة واقعية كتير (لما (ابو ظبي))

    السبت 2 أيار / مايو 2009.
    نشكر الغد على المواضيع الواقعية التي تناقش فعلا واقع المرأة العربية وخصوصا تحت الاحتلال. وشكرا لكاتب المقال
  • »hi barhooma (ابتسام)

    السبت 2 أيار / مايو 2009.
    كيفك ابراهيم ؟ مقالة بتعئد بسلموا ايديك
  • »ناسيين المرأة (ام زيد)

    السبت 2 أيار / مايو 2009.
    فعلا انو بهالحرب والمأساة العراقية الكل نسي المرأة والأم وتضحياتها
    وين المنظمات الدولية اللي بتدافع عن تمكين المرأة لتشوف المرأة العراقية شو عم يصير فيها؟
  • »i like it (ميس)

    السبت 2 أيار / مايو 2009.
    كتير حزينة هالمقالة وبترجع بتزكرنا بالعراق اللي البعض عم بينساه وبيتعود انو الدم فيه شي عادي.
    ابراهيم جابر عم بيظل دايما صوت الضمير الوطني الأردني
  • »أكثر من رائع (Dua)

    السبت 2 أيار / مايو 2009.
    الموضوع جميل جدا ، نتمنى من الكاتب لو يكتب لنا عن الذئاب البشرية على الانترنت ...

    وشكرا
  • »لك انت (ابو عوند)

    السبت 2 أيار / مايو 2009.
    لك ايها.......لن اعطيك اسما خوفا من الكفر فيكون لله تعالى فهو المبدع و العظيم والقاهر ولن اقول لك كما عهدتك بل اقول لك فصل من المفردات وابني اهراما ولكن بهدوء عل شخصا يحاول ان يصل ابعد من مكان قدميه فهذه اللغه كبيره على اشخاص هم يرون انهم بنظرهم اكبر منك (ما شفنا منال موسى اليوم)
  • »حلو .. (mary)

    السبت 2 أيار / مايو 2009.
    حلو كتير المقال كعادة ابراهيم جابر المبدع والشاعر.
    بس كنت اتمنى ع كاتبنا الكبير يكمل الاقتباس من بدر شاكر السياب في العنوان لأنو مو الكل بيعرف التكملة مثل ما افترض الكاتب.
    وللمعرفة والفائدة بيت الشعر كاملا هو (والليل .. حتى الليل هناك أجمل فهو يحتضن العراق ).
    شكرا لاستاذي المميز جابر الذي نبقى ننتظره كل سبت
  • »زمن الارامل (هدى القدح)

    السبت 2 أيار / مايو 2009.
    لم اشعر ان جسمي قشعر هكذا منذ فترة من اروع ماقرأت عن العراق
  • »وصف روائي (محمد قنديل)

    السبت 2 أيار / مايو 2009.
    وصف عالي الدقة وروائي للحالة العراقية رغم انه فيه مديح مبطن للعهد السابق الا انه مقال عظيم ومهم جدا
    ولغته كتير راقية ....كأنه قصة
  • »no comment (noor)

    السبت 2 أيار / مايو 2009.
    منذ فترة طويلة لم أقرأ مقالا بهذا العمق وبهذه القوة في التعبير..كنا بحاجة لمثل هذه الكلمات لكي توقظ فينا الضمير الذي مات بعد أن اعتاد على أخبار التفجير والخراب في كل جريدة يومية..عراقنا تعاني منذ الازل وتتوالى عليها النكسات ولكن الفجر قادم برغم الليل قادم..لينير بغداد والقدس و غزة الشتات!!
  • »اجمل ما قرأت عن العراق (sama)

    السبت 2 أيار / مايو 2009.
    اجمل ما قرأت عن العراق منذ احتلاله حتى اليوم.. شعر يدمي القلب ويصيب القارئ بقشعريرة
  • »صباح الخير...عمان...صباح الخير بغداد (ماياجميل اليافي)

    السبت 2 أيار / مايو 2009.
    اسعد الله صباح اردننا وادام الامن عليه..واسعدصباح عراقنا..عراق الفخر والمجد...اشكرالكاتب ذكر على تفاصيل انطوت في عالم النسيان...فكلنانعد القتلى وربما الجرحى..ولكن لا نتذكر تلك الام التي كانت تودع ابناءها بالشاي والدعوات وتلك العاشقة والنخلة ووو...انفطر قلبي حزنا والماعليهن...اعاد الله الامن على على ارض طالما رفعنا راسنا عاليا كلما ذكرناانتصاراتها وشموخها وستبقى عراق الكرامة طول العمر.
  • »Perfect... (RH)

    السبت 2 أيار / مايو 2009.
    WOW, that is one article. Keep it up, Barhoom.
  • »زمن الاحزان (mona)

    السبت 2 أيار / مايو 2009.
    تحياتي ايها الكاتب المبدع
    هذا زمن الاحزان والتشرد وقلة الحيله فلا مجيب ولا مغيث لسيدة العواصم بغداد التى لبست ثوب السواد منذ ست سنوات واظنها باقية على هذه الحاله حتى يغير الله حالها مثلها مثل زهرة المدائن التى ما زالت تنزف حزنا ودما ولا حياة لمن تنادي .
    والخوف من المستقبل على خريطتنا العربيه التى اضاعت اغلى واعز مدينتين كانتا تكونان قلب هذه الخريطه.....
  • »دعواتنا للخريطة العربية (جابر محمد جابر)

    السبت 2 أيار / مايو 2009.
    فكرت فكتبت فابدعت
    هذا هو حالك ايها الكاتب العزيز
    وهذا هو حالنا الذي كتب علينا من رب العالمين فلا حول ولا قوة الا بالله .
    وليس بيدنا الا الدعاء لله عز وجل بأن يرحمناويبقي خريطتنا بخير .