د.باسم الطويسي

بضائع الفاسدين

تم نشره في الجمعة 1 أيار / مايو 2009. 03:00 صباحاً

البضائع الفاسدة لا تأتي من الفراغ، ولا هي نبت شيطاني ينمو بين جوانبنا وفي أحشائنا دون ان ندري!

البضائع الفاسدة، بكل بساطة، ينتجها ويوزعها ويستفيد منها ويدافع عنها ويتستر عليها فاسدون، ومن الفساد أيضا أخذ الأرقام الصادمة التي جاء بها تقرير الإدارة الملكية لحماية البيئة، والذي تحدث عن رصد 532 قضية غذاء فاسد منذ بداية هذا العام، بينما يبرر اخرون هذه الوقائع بنشاط المفتشين وهمتهم مرة ، وبعدم وعي المواطنين ومعرفتهم مرة أخرى، وغير ذلك من أنماط وتعبيرات الثقافة التسترية التي بالنتيجة توفر الغطاء للفاسدين الكبار والصغار معا.

حان الوقت الذي يجب ان نطور فيه مفهوم "بيئة الفساد"؛ وأدوات رصدها ومتابعتها وكشفها وعيا وممارسة،  تلك البيئة التي تنتج الفساد وتسهم في التستر عليه وحمايته. البيئة التي لا تتوقف عند باعة أغذية الأطفال الفاسدة وباعة اللحوم والأسماك الجوالين في أحياء عمان الفقيرة وفي القرى البعيدة على حد سواء، ولا تتوقف فقط على اولئك الذين تستروا على تلويث المياه التي يشربها الناس. فهذه الوقائع نتاج بيئة رخوة تروض المجتمع والمؤسسات بالصمت على الفساد وتبريره، وتجعل من فاسدين تجدهم أقلية صارخة صوتها أعلى من الجميع أحيانا وفعلها قابل للتأويل والتبرير كيفما تشاء.

في الوقت الذي تزدحم فيه خطابتنا المحلية بالحديث عن ثقافة الجودة وسُبل ترسيخها في التعليم والخدمات والصحة والبنى التحتية وغير ذلك، تزداد المؤشرات الكيفية الدالة على تراجع جودة الحياة بشكل عام، أليس الهدف المركزي لسياسات التنمية والتغيير هو نوعية الحياة؟ أي حياة معافاة طويلة كريمة من دون مصادر تهديد يومية ترفع سقف التوقعات السلبية بالأخطار لقواعد عريضة من المجتمع.

كل اولئك الذين يذهب أطفالهم كل صباح إلى المدارس، وكل اولئك الذين يضطرون إلى تناول وجباتهم في المطاعم العامة، وكل الناس الذين يشربون من الشبكة العامة للمياه، كل اولئك أصبح لديهم سقف التوقعات السلبية مرتفعا نحو تعرضهم لتهديدات تنال نوعية الحياة في كل لحظة.

شهدت السنوات الأخيرة زيادة قسرية في عدد السكان بسبب الظروف الإقليمية المحيطة، ما زاد بشكل واضح من الضغط على الموارد المحدودة التي لم تشهد نموا حقيقيا يواكب حتى الزيادة الطبيعية المفترضة، ومن الضغط على البنى التحتية ومصادر استمرار الحياة، الأمر الذي اخذ يكشف بوضوح عمق الفجوة التنموية التي دفعت نحوها سياسات الاندماج السريع في العولمة الاقتصادية من دون ان يصحبها تطوير خيارات استراتيجية تنموية وطنية ذات استقلالية تحسب حساب الأجيال الراهنة قبل الأجيال المقبلة التي أصبحت خياراتها المستقبلية محدودة فوق هذه الأرض.

إذا استمرت الظروف الحالية، كما هي في هذا الوقت، وإذا ما أضيف إلى ذلك تداعيات الأزمة الاقتصادية التي بدأت تتسلل من العواصم الاقتصادية وتضرب الإقليم حولنا، فإن هذا السياق يوضح البيئة الجديدة للفساد في الغذاء والدواء والمياه ونوعية الحياة.

هذا الواقع ينقل الفئات العريضة من المجتمع إلى نمط من الاقتصاد السلعي القائم على سد الحاجات اليومية الأساسية من أردأ الأنواع، وتكتفي الأسر بالبحث عن سد حاجاتها اليومية بالكفاف من سلع وخدمات كانت في السابق ترفضها الأسواق، لان معيار القدرات الشرائية عادة ما يحدد خصائص أجندة بضائع التجار، في هذا الوقت أخذت مظاهر جديدة تتعمق في سلوك السوق أهمها افتقاد المناعة فيما يعرض للناس من سلع وخدمات تفتقد ابسط معايير الجودة، ما دام هناك من يقبل عليها تحت وطأة الأسعار وزيادة الطلب والبحث عن سيولة.

الخلاصة، إن الأخطر في الفساد والفاسدين وبضائعهم هو بيئة الفساد التي توفر مساحات رخوة داخل المجتمع والمؤسسات بالتبرير والتستر والخوف أيضا.

bassim.twessi@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ألفاسدون .. وألأعقاب المناسب ... !!! (فتحي الحمود(عميد شرطة متقاعد))

    الجمعة 1 أيار / مايو 2009.
    لو كنت مسؤولا لعلقت الفاسدين من ارجلهم في ساحة الجامع الحسيني الكبير كعقوبة ادارية غير العقوبة المنصوص عليها في القوانين الاردنية !!! كل شيء يمكن تحمله او التسامح فيه الا التلاعب والاستهتار بحياة الآخرين وبخاصة طعامهم وشرابهم وبخاصة غذاء الاطفال وادوية الشيوخ !!! الفساد نتيجة لغياب الرقابة الصارمة من قبل الاجهزة المكلفة بالمراقبة والمساءلة من دون كلل او ملل وبشكل متصل ومؤسسي وليس على نظام " الفزعة" التي باتت سمة اردنية مسجلة ... فلا حساب ولاعقاب ولامتابعة !! هذا هو الواقع المؤسف الذي نعيش , وقد تركت الامور لإناس لايشعرون بالمسؤولية , ولايخشون الله تعالى فيما يفعلون !!! النفس البشرية أمارة بالسوء مالم تجد من يضبطها , فهل نحن فاعلون !! الفساد كلمة بغيضة يجب القضاء عليها بكل الاشكال !!!!!
  • »thanks (Amail h)

    الجمعة 1 أيار / مايو 2009.
    thank you very much , this is good point of view,
    I am a gree whit you
  • »بدنا فزعتكو! (عبير هشام أبو طوق)

    الجمعة 1 أيار / مايو 2009.
    كثيرا ما أتساءل كلما ضبطت كميات من البضائع الفاسدة على اختلاف أنواعها : لماذا تشرع الأجهزة المختصة في الغذاء والرقابة الصحية بنفي وجود بضائع فاسدة وتالفة؟

    فهذا تماما ما حدث في قضية الرز المنفوش المخصص للقطط، لكن تم بيعه للأطفال على اعتبار أنه صالح للاستهلاك البشري كما ورد في التقرير الصادر عن مؤسسة الغذاء والدواء بعد اجراء الفحوصات المخبرية للرز! هل يعقل أن يكون هناك غذاء صالح للقطط والبشر في ذات الوقت، أم أن هناك مصالح عليا اقتضت وجود هذا الرابط العجيب؟!

    ومنذ فترة ليست بعيدة أعتقد أنكم لا زلتم تذكرون قضية تلوث مياه بعض المناطق داخل العاصمة وخارجها بفعل قيام اسرائيل بضخ مياه ملوثة لمحطة زي، وكيف سارع الاعلام بعد مهاجمة وزارة المياه والسلطة إلى ترطيب الاجواء عبر مقابلات تلفزيونية وتقارير ومقالات صحفية تثبت كفاءة أجهزة التعقيم المستخدمة في وزارة المياه، وكأن ما حدث كان في السويد وليس في الأردن!

    لماذ لا نعترف بالخطأ ونعالجه ونتخذ الاجراءات التي تمنع أو تقلل تكراره مستقبلا، ولماذ لا نحاسب المفسدين والمقصرين على تقصيرهم بدلا من التستر عليهم وكأن شيئا لم يكن؟!

    ينبغي علينا كاعلاميين ومختصين كل حسب مجاله التعامل بحزم اكبر مع ملفات الفساد والمفسدين، ذلك لأن كل الجهات معنية وملزمة بتلبية نداء المواطن الذي لا يزال يؤمن بأن من حقه شرب ماء وتناول ساندويشة من مطعم ما بطريقة صحية ونظيفة، وكأن حال لسان المواطنين وأنا منهم ما زلنا نردد عبارة "بدنا فزعتكو" التي أطلقها المبدع عماد حجاج ذات يوم.
  • »الغذاء الفاسد (فارس عليا)

    الجمعة 1 أيار / مايو 2009.
    زادت قضايا الغذا الفاسد بشكل كبير خلال الفترة الاخيرة ، واعتقد ان الارقام الحقيقية تتجاوز ما اشار اليه الكاتب ،وكل يوم نتفاجئ بقضية جديدة ، فساد الغذاء اردى انواع الفساد لانه يمارس علنا ويستهدف حياة الناس اي ان ضرره مباشر ، ولا يحدث التجرأ على هذا النوع من الفساد الا حينما تكون الرقابة نائمة
    الفساد الحيقيقي في ان يسمح ان يستمر هذا الفساد وان نصمت عليه