محمد أبو رمان

يزن: ستعيش وحيداً وتموت وحيداً!

تم نشره في الخميس 30 نيسان / أبريل 2009. 03:00 صباحاً

 تؤشر قصة يزن على أنّ القيم الاجتماعية التي حملتها الطبقة الوسطى الأردنية تاريخياً وتقليدياً هي اليوم برسم الانهيار والتفكك

 

"كما عاش الطفل يزن وحيدا معذّبا بلا أصدقاء يشاطرونه ألعابه وحكاياته الصغيرة وأحلامه، مضى إلى مثواه الأخير وحيدا أيضا، بلا مشيعين، وبلا دموع، وبلا صراخ. خمسة أشخاص فقط شيّعوا أمس (أول من أمس) جثمان الطفل المعنف والضحية إلى مقبرة في جبل النصر".

بهذه العبارات المفجوعة المعجونة بمشهد من قسوة الحياة والموت أراد تقرير الزميل موفق كمال أن يسدل الستار على المشهد الأخير "الجنازة"، من القصة التراجيدية الكارثية للطفل الضحية، يزن ابن الخمس سنوات، وكأني بابننا الفقيد يستمطر قول رسول الله صلى الله عليه وسلّم لأبي ذر الغفاري "ستعيش وحيداً وتموت وحيداً"!

لم يحضر جنازة يزن كبار القوم من السياسيين، فهو ليس سليل حسب ونسب، ولا أحد يعتب على الغياب! ولم تقم الدنيا وتقعد في وسائل الإعلام، إلاّ من رحم الله، فيزن ليس ابن عائلة ثرية مثكولة فيه، لم يكن يحظى بشيء من ذلك في حياته، فلماذا يتنعّم به لحظة الفراق؟!

بل إنّ صغيرنا لم يحظ لحظة وداعه الحياة بدموع من أبويه، اللذين رفضت المحكمة الإفراج عنهما ليقولا لابنهما الضحية.. "سامحنا".. ولا أظنه يفعل أبداً.

كم هو مؤثر، محزن، مخزٍ مشهد وداعك يا يزن، إنه "شهادة إدانة" حقيقية لنا جميعاً. لست متأكّداً أنّ مسؤولينا، سياسيينا، مثقفينا، مجتمعنا المدني والأهلي شعر أيٌّ منهم بـ"وخزة ضمير"، وشوكة في حلقه، وباضطراب بأنفاسه وهو يتابع قصة يزن، الذي كان "يعيش"، والأصح يموت ببطء وعذاب شديد، بيننا.

أشكُّ في ذلك، فـ"الغياب هو الحاضر" الوحيد في جنازة يزن، الذي لم يحظ بكلمة عزاء واحدة من مسؤول أو سياسي حتى من الدرجة العاشرة في الدولة.

"فجيعتك" يا يزن تكشف الزيف الذي يحتلّ الفضاء العام هنا في عمان. فالمسؤول يشيح البصر، طالما أنّ هذا الطفل ليس مدعوماً، أو أنّ اهتماماً من "فوق" لم يحدث إلى الآن بقصته، فيما لم تفكر المؤسسات الرسمية المعنية أن تفتح تحقيقاً حول قصته المرعبة، لا أعني من قتله بيده، بل من أعدمه فعلياً قبل وفاته، أي المسؤولين والمؤسسات التي لم تقم بواجبها.

ولعلّ السؤال المطروح، الآن، على الطاولة هو أولاً في وجه أغلب مؤسسات المجتمع المدني والداعمين لها في الداخل والخارج، أين هي الملايين التي تُنفق سنوياً لدعم المجتمع الأردني، وتذهب لأشخاص معدودين، يزدادون ثراءً وفساداً؟!

ما فائدة تلك الندوات والمؤتمرات وورشات العمل التي تمتلئ بها الفنادق الفخمة إذا لم تساهم في إنقاذ آلاف الأطفال الأردنيين من غوائل الحرمان والجوع والفقر والظلم الشديد؟!

أيهما أكثر جدوى أن تنفق عشرات الآلاف على مؤتمرات لا يحضرها إلاّ الضيوف من هنا وهناك، أم في بناء مؤسسات تنمية ورعاية حقيقية لهؤلاء الأطفال المحرومين المعذّبين في أحشاء الوطن؟!

ألا نحتاج في كل محافظة إلى مؤسسات موازية للمؤسسات الحكومية، وإلى دعم المؤسسات الرسمية لحماية الطفولة والأسرة ومواجهة الاعتداء اليومي على أطفال الأردن، من غياب للأمان الأسري والجوع والحرمان والعمالة المبكرة وافتقاد المؤسسات الصحية للنمو والرعاية؟

أزعم جازماً أنّ الأموال المتدفقة على "النشاط الوهمي" للعديد من مؤسسات المجتمع المدني المحلية، كفيلة بتأمين دعم كبير للمؤسسات المطلوبة للطفولة، إذا كان مسارها بالاتجاه الصحيح.

أحد "المراقبين الخبراء"، في المشهد الأردني، يرى أنّ قصة يزن تتجاوز اعتبارها "قضية رأي عام" إلى مسألة "أمن وطني". إذ إنّ أحد التعريفات الرئيسة للأمن الوطني أنه "حماية قيم الدولة من الانهيار"، فيما تؤشر قصة يزن وغيرها من قصص مرعبة وجرائم جديدة وخطرة على أنّ القيم الاجتماعية، التي حملتها الطبقة الوسطى الأردنية تاريخياً وتقليدياً، هي اليوم برسم الانهيار والتفكك.

مسؤولو الحكومة، ابتداءً من رئيس الوزراء مروراً بوزيرة التنمية الاجتماعية والمسؤولين المعنيين في الدولة، لم يرفَّ لهم جفن في قصة يزن، ولم يصدر عنهم أي إيحاء بالشعور بالمسؤولية، وربما إلى الآن لا يشعرون بها، قد تكون حدثت في موزامبيق، لا على أراض أردنية، بل في قلب العاصمة عمان؟!

m.aburumman@alghad.jo 

التعليق