د.أحمد جميل عزم

عصر "اللا"

تم نشره في الأربعاء 29 نيسان / أبريل 2009. 03:00 صباحاً

 

 المطلوب عربيًّا أن نصل لتشخيص واقعي ودقيق لمعطيات النظام الدولي الراهن رغم ما يتصف به من حالة سيولة واختلاط، وذلك لنحسن التعامل معه.

 أحتارُ منذ نهايات العام الفائت في ترجمة مصطلح يفرض نفسه عالميًّا على نحو متزايد، فرئيس الوزراء البريطاني جوردون براون، ساعد على انتشار مصطلح (Deglobalization)، وترجمتُه في كتابات سابقة بأنّه: (تراجع العولمة) للإشارة إلى ظاهرة تراجع مظاهر العولمة. وقبل أيّام وجدت أحد الزملاء يستخدم ترجمة (اللاعولمة) لترجمة هذا المصطلح، وأخبرني هذا الزميل أنّ الفلبيني والدن بيلو، صاحب كتاب (اللاعولمة: أفكار لاقتصاد عالمي جديد) لعام 2005، ربما يكون أول من استخدمه.

هذه الترجمة ذكرتني بمصطلح رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي ريتشارد هاس الشهير (اللاقطبية)، الذي صاغه عام 2000، للإشارة إلى انتهاء عهد الأحادية القطبية الأميركية في العلاقات الدوليّة، التي ظهرت مع نهاية الحرب الباردة مطلع التسعينيّات ولكن من دون أن تعود الثنائية القطبية أو التعددية القطبية الكلاسيكية.

 كذلك، فإن تعبيرات مشابهة تتبلور الآن في المحاولات لتحليل سياسات إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الجديدة، ومحاولة تتبع إذا ما كان أوباما يطوّر مذهبا جديدا على غرار ما كان لدى سلفه جورج بوش، الذي اتسم مذهبه بتبني خيارات الضربات الوقائية واستخدام القوة لنشر الديمقراطية، وهو مذهب قد يشار له مستقبلا بمصطلح (البوشيّة) على غرار (الريجانيّة) و(الثاشريّة). ويعتقد فريق من المراقبين والباحثين أنّ أوباما يعيش الآن مرحلة البرهنة للعالم أنّه ليس بوش (اللابوشيّة).

هذا النوع من المصطلحات التي تنفي واقعا سابقا ولا تصف واقعا جديدا، يعكس حالة الفراغ والمرحلة الانتقاليّة التي نعيشها في العالم، فهيكل العلاقات الدولية غير واضح، والنظام الاقتصادي الدولي غير محدد المعالم، والجميع يترقب اتضاح شكل السياسة الأميركية الجديدة.

حالة "السيولة" في الساحة العالمية (هذه) تعني أننا نعيش مرحلة انتظار. ولكن من المعاني الأخرى أنّ فكرة "العالم المقلوب"، تتراجع أيضًا. هذه الفكرة عبّر عنها الكاتب الشهير روجر كوهين في مقال في صحيفة "نيويورك تايمز"، بعنوان "العالم مقلوب" في مطلع حزيران 2008، بقوله إنّ ثلثي نمو الاقتصاد العالمي عام 2007 تحقق من اقتصاديات الدول النامية، والمتوقع أن يكون معدل نموها هذا العام نحو 6.7% مقابل 1.3% للولايات المتحدة واليابان ومنطقة اليورو. وأوضح كيف يتلاحق شراء الدول النامية لكبريات الشركات العالمية، وكيف أن الولايات المتحدة وأوروبا ربما قد تحتاجان قريباً إلى أي صَدَقات يمكن أن تحصلا عليها.

والواقع أنّه كان قد برز إلى السطح في العالم نوع جديد ثالث من الدول إلى جانب التقسيم الثنائي التقليدي للدول إلى: دول متقدمة وأخرى نامية، وبدأ الحديث عن ما يتم ترجمته إلى العربية باسم "دول ناشئة"، وإن كان تعبير "دول صاعدة" برأيي أدق، وهذه الدول هي القوى التي كانت تنمو اقتصاديّا وصناعيّا ومعرفيّا على نحو يجعلها منافسا عالميا مهما، ومن أهمها الهند والبرازيل والأرجنتين، وبعضهم كان يضيف أحيانا دول الخليج العربية النفطية على اعتبار أنّ استمرار معدلات النمو السابقة، كان كفيلا بجعل اقتصاد هذه الدول مجتمعة، سادس أكبر اقتصاد عالمي خلال سنوات. وأحد التداعيات المحتملة للأزمة العالمية المالية الراهنة هو القضاء على ظاهرة الدول الناشئة، وعلى هذا الانقلاب الذي أشار له كوهين.

 عربيًّا، يبدو المطلوب أن نصل لتشخيص واقعي ودقيق لمعطيات النظام الدولي الراهن رغم ما يتصف به من حالة سيولة واختلاط، وذلك لنحسن التعامل معه. ففي ظل عجز المجتمع الدولي عن إصلاح المنظمات الدولية وعجز الولايات المتحدة عن القيام بواجبات القطب الواحد، فإنّ ظاهرة نشوء نظام دولي فرعي في كل إقليم جغرافي من العالم، بهدف إدارة شؤونه الأمنية والاقتصادية، أمر يزداد وضوحا خصوصا في شرق آسيا وأميركا اللاتينية. وستكون الإجابة العربية الناجعة للحالة الدوليّة الراهنة هي بناء المنظومة الإقليمية التي تجمع الدول العربية وربما دولا جارة مسلمة، وهو ما قد يساعد على حل مشكلات إقليمية وعلى زيادة وزن المنطقة في رسم النظام الدولي غير محدد المعالم بعد. 

ahmad.azem@alghad.jo

التعليق