في تباينات موقف "الإخوان" من خلية حزب الله

تم نشره في الاثنين 20 نيسان / أبريل 2009. 02:00 صباحاً

حسناً فعل نواب الكتلة البرلمانية لجماعة الإخوان المسلمين بتبنيهم خلال مناقشة مجلس الشعب لقضية خلية حزب الله مواقف شديدة الوضوح في دفاعها عن أمن مصر ورفضها محاولات انتهاك سيادة الدولة المصرية وإن تذرع مرتكبوها بخطاب المقاومة أو بهدف تقديم دعم لوجستي وعسكري للفصائل الفلسطينية في غزة.

في المقابل، ذهبت تصريحات المرشد العام محمد مهدي عاكف بعيداً، إذ قلل بداية من أهمية قضية الخلية بحديث عن وجود مبالغات إعلامية (تهريج إعلامي في لغة المرشد) ثم ضرب عرض الحائط باعتبارات الأمن المصري وانحاز إلى حزب الله مدافعاً عنه بالقول بأن "هناك أجندتين في المنطقة.. واحدة تعمل لحماية المقاومة ونصرتها على العدو الصهيوني وأجندة ثانية لا هم لها إلا إرضاء الأميركيين والصهاينة".

في هذه التصريحات إساءة بالغة للجماعة تضعها في موقع بعيد عن قناعات أغلبية كاسحة في الشارع المصري. وفي ذات الاتجاه، ذهب بعض أعضاء مكتب إرشاد الجماعة الذين تبنوا الخطاب التبريري للحزب بالتشديد على أن هدف الخلية هو نصرة المقاومة في فلسطين، وليس الاعتداء على مصر.

مثل هذا الاختلاف في المواقف بين كتلة الإخوان البرلمانية وقيادات مكتب الإرشاد يدلل على تزامن حضور منطقين متباينين للنظر للدولة ومتطلبات أمنها في صفوف الإخوان. وفي حين يؤهل أولهما الجماعة للدمج في الحياة السياسية الرسمية في مصر كفاعل مسؤول، ينذر شيوع المنطق الثاني باستمرارية المواجهة والصراع بين نخبة الحكم وبينها كجماعة محظورة.

"كتلة الإخوان"، في مجلس الشعب، في انتصارها لاعتبارات الأمن والسيادة المصرية -وهو ما عبر عنه بجلاء في المجلس النائب الإخواني عصام مختار بالقول "الأمن القومي لمصر خط أحمر ولا يجوز لأي أحد كان أن يتعداه" وكذلك النائب حسنين الشورى بالتأكيد أن نواب الإخوان يدينون "أي اعتداء على الأمن القومي المصري، مصر أولاً، مصر أولاً"- تبنت منطق الدولة الوطنية بامتياز، وغلّبته على نهج المقاومة المناقض له والمبرر دينياً في خطاب الجماعة وأدبياتها.

قارب نواب الإخوان قضية خلية حزب الله باعتبارهم فصيلاً معارضاً قد تكون له في شؤون السياسة الداخلية والخارجية مواقف وطروحات تختلف عن تلك التي تتبناها نخبة الحكم، إلا أنه يقف قريباً منها حين يتعلق الأمر بتهديدات ترد على أمن مصر وسيادتها.

أحال النواب نهج المقاومة وهدف دعم المقاومين إلى مراتب تالية في الأهمية لمنطق الدولة، وابتعدوا بالتبعية عن خطاب الجماعة الديني الذي دأب على وضع مقاومة "الصهاينة والأميركيين" في مكانة مقدسة تتخطى كل ما عداها وتبرر في بعض الأحيان للخروج على سلطة نخبة الحكم والدعوة إلى الجهاد نصرة للبنان (2006) ولفلسطين (2008) وتبرئ في أحيان أخرى من يتجاوز اعتبارات السيادة المصرية باسم دعم المقاومين.

وفي ذلك ولا شك سمة رئيسية من سمات الفاعل السياسي المسؤول، الذي يدرك أين تقف معارضة نخبة الحكم وأين يبدأ الالتزام بموقف وطني موحد إزاء القضايا الكبرى. لم تسئ كتلة الإخوان إذاً استخدام المساحة المتاحة لها في مجلس الشعب، بل أجادت بإظهار تضامن فصيل المعارضة الأكبر مع نخبة الحكم دفاعاً عن أمن مصر وساهمت في صياغة رأي عام رافض بوضوح لما أقدم عليه حزب الله من تدخل في شؤونها.

أما التصريحات الإعلامية للمرشد وبعض أعضاء مكتب الإرشاد، والتي نزعت نحو الدفاع عن حزب الله بالتشديد على قدسية المقاومة والتمييز بين الاعتداء على مصر واستخدام الأراضي المصرية لدعم الفلسطينيين في غزة، فعبرت عن استمرارية حضور تيار خطر بين قيادات الجماعة وفي صفوفها يرفض الاعتراف بإلزامية مبدأ سيادة الدولة الوطنية. وواقع الأمر أن الجماعة ستظل مفتقدة للقدرة على الضغط بفاعلية من أجل التحول من وضعية الجماعة المحظورة إلى وضعية الحركة ذات الوجود القانوني (إن بصيغة حزبية أو غير حزبية) إن لم تقدم على رفع الدولة المصرية واعتبارات أمنها إلى مكانة سامية لا تتجاوز، لا باسم مقاومة مبررة دينياً ولا بذريعة نصرة وعون الفلسطينيين.

فعوضاً عن "مصر أولاً" الذي يمكن القول مجازاً بأن نواب الإخوان في مجلس الشعب دفعوا به كشعار إلى الواجهة، بدت قيادات الإرشاد وكأنها تتحرك وفقاً لمبدأ بديل فحواه "المقاومة أولاً"، مغلبين بذلك منطق اللادولة على الدولة ومتعاملين باستخفاف بالغ مع ما يمثله تشكيل حزب الله لخلية في مصر وقيامه بنقل مقاتلين وسلاح عبر الحدود إلى غزة من اختراق أمني خطير لا يمكن لدولة ذات سيادة أن تتجاهله أو ترتضيه.

قناعتي أن الاختلاف في المواقف بين نواب الإخوان في مجلس الشعب وقيادات الإرشاد لا يعود إلى توزيع متعمد للأدوار بين المجموعتين توافقت عليه الجماعة وأرادت به من جهة إرضاء الرأي العام المصري المصدوم مما أقدم عليه حزب الله ومن جهة أخرى الاستمرار في التضامن مع الحزب الذي أيدته طويلاً كحركة المقاومة الأهم في العالم العربي، بل يرتبط قبل كل شيء بتبعات المشاركة في الحياة السياسية الرسمية ومتطلباتها.

أدرك النواب أن وجودهم في مجلس الشعب يقتضي الالتزام بموقف وطني لا لبس به إزاء انتهاك حزب الله للسيادة المصرية وأن تبني خطاب المقاومة المبرر دينياً كان سيضعهم في مواجهة خطرة مع نخبة الحكم ويلقي بهم إلى خارج ساحة الفعل السياسي المسؤول برلمانياً والمقبول شعبياً. كذلك جردهم اعتراف قيادة حزب الله بالخلية وبأن الهدف منها تمثل في نقل سلاح ومقاتلين إلى غزة من إمكانية التحرك في مساحة رمادية بالتشكيك في صحة معلومات الأجهزة الأمنية وإثارة التساؤلات حول الدور الفعلي للحزب.

أما قيادات الإرشاد، فانصب اهتمامها على الاتساق بين موقفها من قضية الخلية وخطابها العلني المؤيد للمقاومة بسند ديني والداعم لها حتى وإن تناقضت مع منطق الدولة الوطنية. حدد مبدأ المقاومة أولاً، وليس مصر أولاً، موقف الجماعة من الحرب في غزة 2008-2009.

لن يذهب تزامن حضور منطقي الدولة واللادولة المتباينين في صفوف الإخوان بالجماعة بعيداً وعليها أن تحسم أمرها. فإن رغبت في فتح الباب أمام دمج كامل لها في الحياة السياسية كحركة وطنية مصرية، كان عليها الانتصار لمصر أولاً وتحويل الموقف الواعي للكتلة البرلمانية من قضية خلية حزب الله إلى نهج استراتيجي ملزم، وإن أرادت الاستمرار كجماعة دينية تتجاوز في خطابها ورؤيتها حدود الدولة الوطنية، فلا خروج لها على الأرجح من وضعية الحظر القانوني الراهنة.

* أكاديمي مصري

التعليق