حسابات جديدة في العلاقات الأميركية الإسرائيلية

تم نشره في الاثنين 13 نيسان / أبريل 2009. 02:00 صباحاً

لربما أن أكثر ما يلفت أنظار السياسيين في المنطقة في هذه المرحلة، هو كيفية تعامل الإدارة الأميركية الجديدة برئاسة باراك أوباما، مع الحكومة الإسرائيلية برئاسة بنيامين نتنياهو، خاصة بعد تعيين العنصري المتطرف أفيغدور ليبرمان وزيرا لخارجية إسرائيل، وأيضا على وقع تصريحاته هو بالذات، وغيره من الوزراء، التي ليس فقط تتحدى الأسرة الدولية برفضها مواصلة العملية التفاوضية، بل أيضا الولايات المتحدة، وكما يقول أحد وزراء نتنياهو: "على واشنطن أن تعلم أن إسرائيل انتخبت حكومة كي لا تكون الولاية 51 في الولايات المتحدة".

اعتمادا على تجارب السابق، وعى المعرفة الحقيقية لتشابك المصالح بين إسرائيل والولايات المتحدة، لم يكن بالإمكان توقع حصول انقلاب حقيقي في هذه العلاقات بين الدولتين، وهذا الاستنتاج صحيح في هذه المرحلة أيضا، ولكن إذا تنبهنا إلى عدة متغيرات حاصلة، والى ما يجري من حديث في أروقة المؤسسة الصهيونية، وأيضا في مؤسسة الحكم في إسرائيل، فقد نتوصل إلى استنتاج بأن هذه "الحقيقة الثابتة" لطبيعة العلاقات الإسرائيلية الأميركية، قد تواجه واقعا يفرض عليها تغييرات جدية، وتبقى نسبية، إلا أنها قد تكون مفيدة.

ومن ابرز هذه المتغيرات أن سياسة القوة التي اتبعتها الولايات المتحدة في عهد الرئيس جورج بوش لم تأت بأي نفع للمد الأميركي في العالم، لا بل إن مكانة الولايات المتحدة تضررت في السنوات الأخيرة، لتأتي الأزمة المالية والاقتصادية العميقة التي ضربت الاقتصاد الأميركي بقوة لتصب الزيت على النار، بالنسبة للولايات المتحدة، وهو ما سيتطلب منها إعادة ترتيب أوراقها في العالم وسعيها لانفراج في علاقاتها مع العالم وليس اختلاق بؤر توتر جديدة.

ولكن هذه المتغيرات بالإمكان قراءتها في وثيقة مهمة جدا، ولا مبالغة حين نقول إنها الوثيقة الأهم من ناحية انعكاس هذه التطورات على العلاقات الإسرائيلية الأميركية، وصدرت عن الوكالة اليهودية الصهيونية، وهي التقرير السنوي الصادر عن المعهد الذي يسمى بـ "معهد تخطيط سياسة الشعب اليهودي"، ويرأس مجلس إدارته مساعد وزير الخارجية الأميركي الأسبق دينيس روس، الذي لربما قد يعود لمنصبه ولكن في منطقة الخليج العربي وليس الشرق الأوسط.

ويعطي إشراف روس على هذه الوثيقة وزنا إضافيا، إذ يقول روس في مقدمة هذا التقرير الذي صدر في الأسابيع القليلة الماضية: "لربما ليس مفاجئا أنه حين يظهر العالم كمن بات يتأثر بدرجة أقل من قوة الولايات المتحدة الأميركية وتراجع مكانة الولايات المتحدة في الأسرة الدولية،  فإن هذا مصدر قلق ليهود العالم وإسرائيل، وقد تم فحص هذا القلق بعمق في هذا التقرير، فحتى وإن لم يوافق القراء على صيغ هذا القلق والهواجس، كما تظهر هنا".

وفي التقرير ذاته، الذي صدر على شكل كتاب، جاء ما يلي: "إن التطورات التي جرت في السنة الأخيرة، خلقت ضغطا كبيرا على التحديات والمعضلات أمام إسرائيل والشعب اليهودي، فإلى جانب التحديات الإستراتيجية المعروفة والمتواصلة، فإننا نشهد توجهات تهدد تراجع مكانة الولايات المتحدة في الأسرة الدولية، كقوة عظمى أعلى، إذ أن هذه التوجهات تزايدت إثر الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي تعصف بالولايات المتحدة".

الشيء الأهم الذي يتخوف منه التقرير، وهذا ما يقودنا إلى الحسابات الأميركية الجديدة كافتراض، هو أنه يقرأ تغيرات مهمة في موازين القوى في الساحة الدولية، وعودة ظهور قوى مثل روسيا والصين والاتحاد الأوروبي، من جديد، كقوى تواجه القوة الأميركية.

ويعتبر التقرير أن عالما متعدد الأقطاب سيجعل الولايات المتحدة أمام ضرورة المساومة على الساحة الدولية، ولهذا فإن الوكالة الصهيونية تتخوف من أن تضطر إسرائيل لدفع ثمن لهذه المساومة.

إن هذا الاستنتاج، وعلى الرغم من أنه يبقى افتراضيا، ولكنه قريب جدا للواقع إن لم يكن الواقع بعينه، فإنه سيلزم الإدارة الأميركية بتغيير لهجتها تجاه الحكومة الإسرائيلية، لكي لا تكون السياسة الإسرائيلية عائقا أمام مساعي الإدارة الأميركية للتوجه إلى أجواء انفراج في العلاقات الدولية، واختيار الحوار مسارا أساسيا لحل الأزمات، بخلاف عن توجهات الإدارة الأميركية السابقة، وما يعزز القناعة بسلامة هذا التوجه، هي القاعدة التي تعتبر أن الانفراج في العلاقات الدولية بمثابة أحد المحركات الأساسية لعودة الاقتصاد العالمي إلى مسار النمو والازدهار.

ولهذا فإن موقفا عربيا متماسكا، ولربما الأهم وجود خطاب فلسطيني وحدوي واضح المعالم، قادر على محاصرة إسرائيل أكثر في الحلبة الدولية، وقادر أيضا على تجنيد الاتحاد الأوروبي إلى جانبه، من شأنه أن يكون عاملا ضاغطا على الإدارة الأميركية لتضغط بدورها على إسرائيل، وهذا مشهد رأيناه في مطلع سنوات التسعين، وأيضا في النصف الثاني من سنوات التسعين.

Barhoum.jaraisi@alghad.jo

التعليق