إبراهيم غرايبة

مآلات الفكر السياسي للمسلمين

تم نشره في الأربعاء 8 نيسان / أبريل 2009. 02:00 صباحاً

تعمقت أزمة الشرعية السياسة بعد الخلافة الراشدة ولم يجد الحكام طريقا للخلاص من الأزمة سوى الاتكاء أكثر على القوة والسيف وقمع المعارضين

في تتبعه للفكر السياسي للمسلمين يعرض محمد خاتمي، الرئيس الإيراني السابق، وهو في الأصل مفكر وأستاذ جامعي فيما يسميه جولة في تاريخ الفكر السياسي للمسلمين، يرى  خاتمي أن فترة النبوة والخلافة الراشدة تمثل مرحلة تأسيسية أنموذجية للاقتداء والاقتباس، ثم دخل العالم الإسلامي في مرحلة طويلة من الملك المستبد، ثم دخل منذ القرن السابع عشر الميلادي في مرحلة من الضعف والتراجع والاحتلال والاستعمار.

في دخول العالم الإسلامي في مرحلة طويلة من الاستبداد (الغلبة) انحسر الفكر السياسي في العالم الإسلامي وسيطرة الطبيعة الصوفية على عقول وآداب الكثير من المسلمين، وقد تسببت هذه الأزمة (الاستبداد) في خسائر كثيرة للمسلمين. فسياسة الغلبة القائمة على الصراع والسيطرة ترفض أي منافس لها على أرض الواقع ولا تطيق البحث والتنقيب في حقيقة السياسة بما في ذلك الغلبة نفسها وطريق الخلاص منها، ومنعت سياسة التسلط المفكرين من البحث في مجال السياسة ما جعل الفكر يتجه اتجاها آخر مبررا إهماله وتكاسله بالإعراض عن السياسة والهيام في وادي التصوف.

 يحلل خاتمي الآراء السياسية لبعض الفلاسفة والمفكرين السياسيين في العالم الإسلامي، الفارابي، وأبي الحسن العامري، والرازي، وأبي الحسن الماوردي، والغزالي، وابن باجة، وابن خلدون.

ويلاحظ أن المد الفلسفي المذهل الذي شمل العالم الإسلامي أهمل حقلي الاقتصاد وسياسة المدن، ويستبعد أن يكون تفسير ذلك بسبب سعة الشريعة الإسلامية لمثل هذه القضايا وحجبها للفلسفة والنظر في مثل هذه المسائل، فذلك أدعى للاهتمام والبحث في قضايا السياسة وليس إهمالها، والفقيه إنسان ومفكر أيضا ونتائجه الفقهية تختلف تبعا لمصادره في الاستنباط التي تحددها له رؤيته الفلسفية والعرفانية والاجتماعية.

وقد يرد ذلك إلى التصوف الذي شكل روح الثقافة والأدب لكثير من المسلمين، فالتفكير الصوفي يرتكز إلى ترك الدنيا أو عدم الاهتمام بها ولكن المؤلف يعتقد أن التصوف هو سبب ترك المسلمين وعلمائهم للفكر السياسي وليس التصوف هو سبب ترك السياسة.

بدأ البحث الفلسفي لدى المسلمين في حقيقة السياسة والسلطة، وكان الفارابي رائد هذه المحاولات الخالدة ثم اتجه الفكر السياسي بسبب التغلب والاستبداد إلى التبرير والتهرب، وكان ابن خلدون ممن تناولوا واقع الحياة الاجتماعية للإنسان برؤية جديدة حتى يصح أن يسمى "أبا فلسفة التاريخ" أو أول علماء الاجتماع، وربما توقف الفكر السياسي بعد ابن خلدون.

وكان الخواجة نصير الدين الطوسي في كتابه "أخلاق الناصري" مقلدا للفارابي ومكررا لموضوعات لا أمل في تحقيقها وذلك لأنه كان عندما يخرج من فضاء المكتبة والكتاب ويترك فضاء العقل والتفكير ينضم إلى ركاب متغلب مغولي لا تربطه به علاقة دينية، وإنما كان يهدف من علاقته به الدفاع عن مذهبه الشيعي.

وقد مرت بالمسلمين بعد ابن خلدون حوادث ووقائع مهمة مثل الغزو المغولي واستقرار السلطنة العثمانية وظهور الملكية الصفوية في إيران وبرغم الاختلافات العقدية والمذهبية بين هذه الدول فقد كان يجمع بينها الغلبة.

لقد اتفقت الأمة على أن الحكم أمر نيط بها، وكل من ينتخبه ثقات الناس وعقلاؤهم يصبح حاكما مشروعا ولكن ليس كل شخص مؤهلا لذلك، والأمة موظفة باختيار من له مواصفات خاصة، وتعتقد الشيعة أن الحكم لا يقوم إلا على يد المعصوم، وهي فضيلة لا يعرفها إلا الله وقد تكفل الله ببيانها كغيرها من المعايير الدينية.

وكانت البيعة تعني اتفاقا بين طرفين، أي الالتزام بطاعة الحاكم المسؤول عن مراعاة الحدود والواجبات الخاصة، والأمة تحتفظ بحقها -فيما إذا تجاوز الحاكم- في تحديد مسؤولية الحكومة وأما التوسل بالقوة للاستيلاء على السلطة فلم يكن مشروعا على كل حال.

وتعمقت أزمة الشرعية السياسة بعد الخلافة الراشدة ولم يجد الحكام طريقا للخلاص من الأزمة سوى الاتكاء أكثر على القوة والسيف وقمع المعارضين، وتجذرت سياسة الغلبة، وحرم الشعب من تقرير مصيره السياسي وتحولت البيعة إلى التزام الأمة من طرف واحد بالطاعة المطلقة لحاكم يرتكز إلى السيف من دون أن يفرض على حكومته شرطا.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »بحاجة إلى فهم فقرة في المقال (صابر عبد الرحيم)

    الأربعاء 8 نيسان / أبريل 2009.
    ورد في المقال:
    " لكن المؤلف يعتقد أن التصوف هو سبب ترك المسلمين وعلمائهم للفكر السياسي وليس التصوف هو سبب ترك السياسية"
    بصراحة مافهمت شو قصدالكاتب المحترم
  • »آلية إختيار الحاكم (م . محمد البعول)

    الأربعاء 8 نيسان / أبريل 2009.
    الاستاذ ابراهيم الغرايبة

    شكرا" لك على هذه المواضيع التي تُتحفنا بها يوميا".

    ولدي سؤال :

    برأيك الشخصي كيف لنا كأمة أن نخرج من هذا المازق التارخي الديني ؟؟؟


    هل نأخذ بالنظم والطرق الغربية وآلياتها في إختيار الحاكم ،،، أم نطور موروثنا الديني والقيمي بحيث يتناسب مع العصر ويكون لدينا طريقة أو آلية معقوله في إختيار الحاكم وعزله .




    وشكرا" لك .