مجموعة العشرين وأشباح قِمَم الماضي

تم نشره في الخميس 2 نيسان / أبريل 2009. 03:00 صباحاً

 العالم يواجه اليوم أزمة مالية طاحنة يعتقد بعض صناع القرار السياسي أنها أعظم شِدة من أزمة الكساد الأعظم التي ضربت العالم أثناء فترة ما بين الحربين العالميتين. قبل عام 2008 زعم الخبراء أن تكرار حدوث أزمة الكساد الأعظم أمر مستحيل، وذلك بسبب قوة وعمق الآليات التعاونية التي تأسست مع نهاية الحرب العالمية الثانية.

وعلى هذا فقد تولدت عن قمة مجموعة العشرين توقعات هائلة بأن ينجح التعاون الدولي مرة أخرى في التغلب على هذا الكم الهائل من المشاكل الاقتصادية. ولكن مما يدعو إلى الأسف أن حجم التوقعات وحده يوحي بأن خيبة الأمل تكاد تكون مؤكدة.

إن رمزية مكان انعقاد القمة أيضاً مشؤومة، فهي تذكرنا بالمحاولة الرئيسية الـمُجهَضة لإدارة الاقتصاد العالمي أثناء فترة الكساد الأعظم. فقد انعقد المؤتمر الاقتصادي العالمي عام 1933 في لندن أيضاً، في المتحف الجيولوجي، وكان حجم المشاركة في ذلك المؤتمر أوسع نطاقاً، حيث بلغ عدد الدول المشاركة 66 دولة. وقد لا يزور المشاركون في قمة 2009 المتحف الجيولوجي، إلا أنهم سوف يكون عليهم أن يتعاملوا مع شبح مؤتمرات الماضي، ذلك أن فشل مؤتمر 1933 يشكل درساً مهماً لزعمائنا الحاليين.

أولاً، وكما هي الحال مع قمة مجموعة العشرين، كان الجميع يتوقعون الفشل لمؤتمر لندن. والحقيقة أن الاجتماع كامل الأعضاء أصيب بالشلل بسبب الطريقة التي أدت بها اللجان التحضيرية عملها. فقد زعم خبراء النقد أن الاتفاق على تثبيت العملة أمر مرغوب للغاية، ولكنه يتطلب اتفاقاً مسبقاً على تفكيك الحواجز التجارية ـ كافة التعريفات المرتفعة والحصص التي تم العمل بها أثناء فترة الكساد.

كما اجتمع خبراء التجارة في جلسة موازية فانتهوا إلى حجة معاكسة تماماً، حيث أجمعوا على أن نزعة الحماية رذيلة شائنة، ولكنهم رأوا أنها رذيلة ضرورية وليس من الممكن معالجتها بدون تحقيق الاستقرار النقدي.

وما كان لينقذ ذلك الاجتماع إلا زعامة قوية مستعدة للتضحية بمصالحها الوطنية الخاصة من أجل فتح الطريق المسدود الذي آلت إليه الأمور. ولكن من الواضح أن مثل هذه الزعامة لم تكن متوفرة آنذاك، تماماً كما هي الحال الآن.

أما الدرس الثاني المستفاد من مؤتمر لندن 1933 فيكمن في عزوف الحكومات في أوقات المصاعب الاقتصادية الكبرى عن تقديم التضحيات التي قد تنطوي على تكاليف قصيرة الأجل. وحتى لو كانت تلك التضحيات قد تؤدي إلى الاستقرار في الأمد البعيد، فإن العواقب السياسية المباشرة لن تكون سارة على الإطلاق. في الظروف الاقتصادية غير المواتية تشعر الحكومات بالضعف وعدم اليقين، وعلى هذا فهي تكره المجازفة بالتفريط في الدعم الجماهيري.

أخيراً، وفي مواجهة الفشل المحتم، يبحث المشاركون عن كبش فداء. لقد بدا مؤتمر 1933 وكأنه رواية بوليسية كلاسيكية، حيث تحيط الشبهات بكل الأطراف. فقد أدارت كل من بريطانيا وفرنسا ظهرها للتعاون الدولي، وتبنت نظاماً تجارياً عُـرِف باسم "الأفضلية الإمبراطورية"، والذي فضلت بموجبه إمبراطوريتها الشاسعة عبر البحار. وكان الرئيس الألماني قد عين للتو حكومة أدولف هتلر المتطرفة العدائية. وكان الوفد الألماني تحت قيادة ألفريد هوغنبيرغ، الذي لم يكن نازياً ولكنه أراد أن يثبت أنه لا غنى عنه وأنه أكثر قومية من هتلر ذاته. وكانت الحكومة اليابانية قد أرسلت قواتها للتو إلى منشوريا.

ومن بين جميع القوى العظمى التي اجتمعت في لندن، كانت الولايات المتحدة تبدو الأكثر عقلانية وميلاً إلى التعاون الدولي. وكان يحكمها آنذاك رئيس يتمتع بشخصية جاذبة، وكان من المعروف عنه حبه لانجلترا وروحه العالمية. وهو الرئيس فرانكلين روزفلت، الذي كان قد بدأ بالفعل في اتخاذ تدابير قوية لمواجهة الكساد، وكان يحاول إعادة النظام إلى الجهاز المصرفي الفاشل في الولايات المتحدة.

لم يكن روزفلت يعرف ما الخط الذي يتعين عليه أن يتبناه في المؤتمر، وكان مستشاروه يقدمون له نصائح متضاربة. وفي النهاية فقد صبره وأعلن أن الولايات المتحدة لا تعتزم تثبيت الدولار في ذلك الوقت. ولقد عُـرِفَت هذه الرسالة التي بثها في الثالث من تموز  (يوليو) 1933 باسم "القنبلة". فقد تحدث روزفلت عن الحاجة إلى استعادة "النظام الاقتصادي الداخلي السليم للأمة"، ودان "الأوثان القديمة للمصرفيين الدوليين".

لقد تظاهر الجميع بالصدمة إزاء فشل التعاون الدولي، إلا أنهم في الوقت نفسه كانوا سعداء لعثورهم على شخص يمكن تحميله المسؤولية عن فشل المؤتمر.

الآن في عام 2009، نواجه مجموعة مماثلة من الظروف. ولقد رُسِمَت خطوط الصراع مقدماً بوضوح. فالولايات المتحدة تريد للعالم أن يشرع في تنفيذ برامج لتحفيز الاقتصاد الكلي، وتعتقد أن المهمة المعقدة الخاصة بإعادة ترتيب الإشراف والتنظيم الماليين من الممكن أن تنتظر. بيد أن العديد من البلدان الأوروبية لا تستطيع أن تتحمل التكاليف التي تفرضها حزمة التحفيز، وذلك بسبب فرط امتداد تمويلها العام، وكانت ترغب بدلاً من ذلك في إحراز تقدم على مسار التنظيم الدولي للنظام المصرفي.

ولقد أعدت أعذار الفشل أيضاً بالفعل. وليس من المرجح أن تسفر القمة الجديدة عن إنتاج حزمة تحفيز منسقة أو مخطط تفصيلي لنظام مضمون للتنظيم المالي. وإلى أن ينتهي الاجتماع، سوف يظل المشاركون في انتظار اللحظة حين يفقد أحد الزعماء صبره (ربما أنجيلا ميركيل) فيلقي بالملاحظة الواضحة والصادقة، والتي تتلخص في أن العملية برمتها مجرد إهدار للوقت والجهد. ثم يسارع الجميع إلى إدانة ذلك السياسي الصريح واتهامه بتدمير التعاون الدولي.

في ثلاثينيات القرن العشرين كانت الحكومات الاستبدادية المولعة بالحرب، كحكومة ألمانيا وحكومة اليابان، هي الوحيدة التي تمكنت من جني أعظم قدر من رأس المال بسبب فشل مؤتمر لندن. ومن المرجح أن يُستخدم فشل مؤتمر لندن اليوم كسلاح خطابي ضد الحكومات الغربية الضخمة ولتوفير الأساس المنطقي لتطبيق شكل جديد من أشكال رأسمالية الدولة.

* أستاذ التاريخ والشؤون الدولية في كلية وودرو ويلسون بجامعة برينستون، وأستاذ التاريخ في معهد الجامعة الأوروبية بفلورنسا.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق