كيف نبدأ؟

تم نشره في الخميس 2 نيسان / أبريل 2009. 02:00 صباحاً

الثقافة ليست مجرد إضافة ترفيهية إلى حياة الناس، ولكنها متطلب ضروري ومدخل حتمي للتقدم وتحسين حياة الناس

ربما يكون ثمة حاجة للتوقف المتواصل بما في ذلك من ملل وتكرار لملاحظة العلاقة بين التقدم وبين المجتمعات وبلا وساطة من المنح الدولية والحكومية أيضا.

ببساطة فإن المهن والثقافة والأعمال تتشكل حول الموارد، وما نراه أو نعتبره تراثا يبدو من قبيل الزينة والذكريات هو في الحقيقة كان يشكل منظومة حياة الناس وعلاقاتهم وتدبير أمورهم حول مواردهم وأعمالهم، ولذلك فإن السؤال الحقيقي هو: ما هي المنظومة الثقافية والاجتماعية والأعمال والمهن والتقاليد التي يفترض تشكلها حول الاقتصاد والموارد القائمة لدينا اليوم كما تشكلت منظومة الأعمال والثقافة والعلاقات حول الزراعة والتجارة والرعي؟ ما هي الثقافة المفترض تشكلها اليوم لاقتصاد المعرفة والمهن والأعمال القائمة اليوم في مجتمعاتنا وبلادنا؟  وهل تمثل المنظومة الثقافية والاجتماعية القائمة اليوم استجابة صحيحة وملائمة للتحول نحو الموارد والاقتصاديات القائمة؟ ويبقى السؤال قائما: ما الموقع الصحيح للتراث في المنظومة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية؟ كيف يمكن مساعدة المجتمعات على وعي وتشكيل ثقافتها على النحو الذي يمكنها من التوافق الصائب ثقافيا واجتماعيا مع البيئة المحيطة والموارد والتقنية وسبل الحياة والرفاه؟

هذا التوافق هو الذي يطور الحياة السياسية والاجتماعية ويحمي المنجزات الاقتصادية ويفعلها ويساعد على إنشاء الموارد وتطويرها على النحو الذي يحقق الكفاية في الاحتياجات الأساسية والرضا والاستقرار، فالثقافة ليست زينة غير ضارة ولا مجرد إضافة ترفيهية إلى حياة الناس، ولكنها متطلب ضروري ومدخل حتمي للتقدم وتحسين حياة الناس، فبغير ثقافة الجمال ورؤيته وملكاته ومواهبه التي تلاحظ القبيح والحسن وتتمسك بحاكمية المنطق على الأعمال والحياة لا تنشأ العمارة على النحو الذي يحقق راحة الناس واحتياجاتهم واللباس على النحو الذي يحب أن يرى الناس أنفسهم عليه أو يراهم الآخرون وكذا الطعام والطرق والنقل، ثم تصميم السلع والمنتجات والخدمات جميعها، إلى الحديث والسلوك والعلاقات والانتخابات والتشريعات والقرارات والسياسات، إنها جميعها تتقدم نحو الصواب والتقدم والأفضل بناء على ما يملك الناس من جمال ومنطق، وهما (الجمال والمنطق) محصلة الثقافة المنظمة لحياة الناس والمحيطة بها، وبغيرهما لا يقدرون على اختيار الأفضل والمقارنة بين الأفكار والسلع والأعمال ولا معرفة ما يريدون وما يحتاجون إليه، وما يريدون أن يكونوا، وكيف يراهم الآخرون وكيف يرون أنفسهم.

فالمجتمعات والأفراد والأعمال والمنجزات والسلع والأفكار والأذواق والخدمات والأنظمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والبيوت والملابس والطرق والأحياء والمدن والأمكنة تتحدد بالقدرة على تصميمها وإدراك الحالة التي يجب أن تكون عليها، وهي نهاية تقررها القدرة على الرؤية والخيال، أي الجمال، فحياتنا إذن تكون على النحو الذي نتخيله ونراه، وهي في ذلك في تقدمها وتخلفها بمقدار قدرتنا الجمالية والرؤيوية، حتى الموارد المادية والكنوز التي لدينا تكون كذلك فقط عندما ندرك ذلك، وبغير ذلك فإنها لا تبدو مختلفة عما سواها من الأشياء عديمة الأهمية والقيمة.

والدراسات التاريخية عن بلادنا تبين بوضوح وبساطة كيف استطاع الإنسان تحقيق نظام موارد يلبي احتياجات الناس من دون حاجة لمعونة وتقنيات خارجية مستوردة، وهي أمثلة تصلح بالتأكيد للاستنتاج أن ثقافة الناس واتجاهاتهم الاجتماعية والاقتصادية أسعفتهم في توفير إمكانية التعامل مع مشكلات شح الموارد المائية، وتوظيف البيئة والطبيعة المتاحة في إقامة مشروعات تنظيم استخدام الموارد المائية وتخزينها وتوفيرها للشرب والخدمات، وإمكانية تحقيق إنتاج اقتصادي وفير تدل عليه الآثار القائمة بكثافة مدهشة، معاصر الزيت والعنب والسكر، والتي تؤشر على كثافة سكانية عالية وحالة متقدمة من الرفاه، وقدرة على مواجهة مشكلات وتحديات عجز الجيل الحاضر حتى باستخدام التقنية والموارد الإضافية المتأتية من القروض والمنح الأجنبية عن التعامل الإيجابي معها.

وتشكل المرجعيات الثقافية والدينية أنظمة عمل تؤثر بوضوح في السوق والاقتصاد مثل دفع الضرائب أو التهرب منها، فالتزام الناس بأداء الحقوق باعتبارها دينا واجب السداد لتكليف ديني أو ثقافة اجتماعية يقلل كثيرا من أعباء النزاعات والإدارة ويقلل من الهدر، ويجعل التهرب من أداء الضريبة أو الدين عيبا وانحرافا اجتماعيا يؤثر على سمعة الإنسان وموقفه الاجتماعي، ويحدث العكس أيضا عندما تنشأ ثقافة تشجع على الفساد والمحسوبية والتهرب من الواجبات الضريبية والعامة.

التعليق