إبراهيم غرايبة

التنمية عملية ثقافية بامتياز

تم نشره في الاثنين 30 آذار / مارس 2009. 03:00 صباحاً

كان اتجاه التنمية ومكافحة الفقر في الخمسينيات والستينيات إلى الاستثمارات التجارية ومرافق البنية الأساسية، وفي السبعينيات إلى التعليم والرعاية الصحية، وفي الثمانينيات إلى تحسين إدارة الاقتصاد والسماح لقوى اجتماعية واقتصادية أن تلعب دورا أكبر. واقترح تقرير العام 1990 للتنمية البشرية تشجيع الاستخدام المكثف للأيدي العاملة، والانفتاح الاقتصادي والاستثمار في مرافق البنية الأساسية، وتقديم الخدمات الأساسية للفقراء في مجالي الرعاية الصحية والتعليم، وبدأ خلال التسعينيات مفهوم حسن نظام الإدارة للمؤسسات.

وفي أوائل القرن الجديد اقترح البنك الدولي إستراتيجية تعتمد على تكافؤ الفرص والمساواة ومكافحة الفساد، والتفاعل بين العمليات السياسية والاجتماعية والعمليات المؤسسية الأخرى لتقوية مشاركة الفقراء في العمليات السياسية واتخاذ القرارات على المستوى المحلي وإزالة الحواجز الاجتماعية القائمة على الجنس أو العرق، والأمن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والبيئي.

وأرجع البنك الدولي أسباب الفقر والفشل الاقتصادي إلى شعور الناس بأنه لا يسمع لهم صوت وأنهم لا حول لهم ولا قوة في مؤسسات الدولة والمجتمع.

وهكذا فإن مفهوم التنمية في طبعته الأخيرة يستند إلى عملية ثقافية بالكامل (تقريبا) مؤداها أن الناس يتجمعون بمساواة تامة حول مواردهم والتنافس عليها، أو بتعبير آخر فإن التنمية هي المواطنة، وهي مقولة يجب أن تغير جذريا خطط التنمية والضرائب والتعليم والإدارة في بلادنا، فهي ببساطة وقف عملية الوصاية الجارية على موارد الناس وخياراتهم، وإفساح المجال لهم ومساعدتهم لينظموا أنفسهم بأنفسهم حول مصالحهم ومواردهم.

تقدم الناس يقاس بمستواهم الثقافي لأن رؤيتهم لأنفسهم وما يريدون أن تكون عليه تعتمد على ثقافتهم، أو هي بالضبط الثقافة، والمسألة بالطبع بالغة الصعوبة والتعقيد لأنها تعني الانتقال بفلسفة الإدارة والتنظيم والتشريع والتعليم والتجمع من حالتها التاريخية الهرمية إلى حالة شبكية يمثل كل فرد فيها موقع المركز (وهذا هو التطبيق الأساسي والضروري لمفهوم المواطنة) وينتقل الناس من تجمعهم على أسس "قرابية" إلى التجمع على أساس المكان والعمل والصداقة والأفكار، ومن تنظيم أعمالهم ومواردهم اعتمادا على مؤسسات وصائية وأبوية إلى المجتمعات والمدن والأعمال والأحياء والمصالح والأعمال والنقابات والحرف والمهن.

من يستفيد من الإنفاق العام؟ وإلي أي مدى نجحت خطط الدول في تحقيق التنمية والرفاه وتلبية الاحتياجات الرئيسية لمجتمعاتها؟ وهل تتفق الإنجازات المتحققة في هذا المجال مع حجم الضرائب التي تجنيها الحكومات من المواطنين؟ ففي حالة غياب المشاركة المجتمعية للناس وضعف قدرتهم على إيصال صوتهم ومطالبهم وفي حالة الوصاية القائمة عليهم استخدمت الموارد المتحصلة من الضرائب (المفترض أن تؤدي بعدالة على النحو الذي يفيد المحتاجين) والقروض الخارجية أو من الموارد الإستراتيجية لتحسين معيشة الفئة الغنية في المجتمع فقط، فقد كانت الطرق وشبكات المياه والصرف والرعاية الصحية والمدارس والجامعات التي بنتها الحكومات وأنفقت عليها موجهة لأقل من 20% من السكان، وأظهرت الدراسات أن الأغنياء غالبا ما ينجحون في التهرب من الضريبة وتواجه جميع دول العالم ومجتمعاتها اليوم ظاهرة الفجوة الكبيرة بين الأغنياء والفقراء وانخفاض الأجور.

هذا الخمس الغني لا يسيطر فقط على 85% من الموارد العالم، ولكن تتسرب إليه موارد الجزء الباقي من الناس، أي أن حصته في الموارد والإنتاج تتزايد باستمرار مهددة بتحويل الأغلبية الساحقة من الناس إلى عالة على المعونات الخيرية والحكومية إن بقيت حكومات تملك مالا.

وهكذا فإن الخمس الغني لا يكتفي بغنيمته الهائلة، ولكنه ينافس الفقراء حتى على فرصهم الضئيلة والمحدودة دون أن يترك لهم هامشا للبقاء والمناورة، دون ملاحظة أنه على المدى البعيد ستكون الخسارة والكارثة شاملة للأغنياء والفقراء..

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق